قصة آدم عليه السلام. مشهد زخرفي لبساتين الزيتون والتلال من خلال قوس بطراز أندلسي.

قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ

قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْهِدَايَةِ

آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَهُ وَاصْطَفَاهُ. وَفِي قِصَّتِهِ يَتَبَيَّنُ أَصْلُ خَلْقِنَا، وَعَدَاوَةُ الشَّيْطَانِ لَنَا، وَسَعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ بِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ. وَتَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ خَلْقَهُ وَتَكْرِيمَهُ، وَمَا جَرَى لَهُ وَلِزَوْجِهِ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ التَّوْبَةَ وَالْهُبُوطَ إِلَى الْأَرْضِ، عَلَى ضَوْءِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ. [آلُ عِمْرَانَ: ٣٣؛ الْبَقَرَةُ: ٣٠–٣٩]

خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَكْرِيمُهُ

أَخْبَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنَّهُ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. فَسَأَلُوا عَنِ الْحِكْمَةِ فِي خَلْقِ مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، مَعَ قِيَامِهِمْ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ وَتَقْدِيسِهِ. وَكَانَ سُؤَالُهُمْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، لَا اعْتِرَاضًا عَلَى رَبِّهِمْ. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فَعِلْمُ اللَّهِ مُحِيطٌ، وَمَا يَعْلَمُهُ الْخَلْقُ مَحْدُودٌ بِمَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ. [الْبَقَرَةُ: ٣٠]

وَمِنْ مَعَانِي الْخَلِيفَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْأَرْضِ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ. وَلَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ؛ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْغَنِيُّ عَنْ خَلْقِهِ.

خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ تُرَابٍ، مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: ٥٩]. وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنَ الطِّينِ، وَمِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ؛ وَهِيَ أَوْصَافٌ لِمَادَّةِ خَلْقِهِ فِي أَحْوَالِهَا، لَا أُصُولٌ مُتَعَارِضَةٌ. [ص: ٧١؛ الْحِجْرُ: ٢٦]

وَخَصَّ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ، كَمَا قَالَ لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. وَنُثْبِتُ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ؛ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. [الشُّورَى: ١١]

وَسَوَّى اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، كَمَا أَخْبَرَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ. وَالرُّوحُ الَّتِي فِيهِ مَخْلُوقَةٌ، أَضَافَهَا اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَلَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. [الْحِجْرُ: ٢٨–٢٩]

وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ». [صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الْجُمُعَةِ، بَابُ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، رَقْمُ ٨٥٤، بِلَفْظِ ٨٥٤ ب]

تَعْلِيمُ الْأَسْمَاءِ وَسُجُودُ الْمَلَائِكَةِ

وَمِنْ تَكْرِيمِ اللَّهِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، ثُمَّ عَرَضَ الْمُسَمَّيَاتِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَسْمَائِهَا. فَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، وَقَالُوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُنْبِئَهُمْ بِأَسْمَائِهَا، فَظَهَرَ مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ. [الْبَقَرَةُ: ٣١–٣٣]

وَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَجَدُوا كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. كَانَ سُجُودُهُمْ طَاعَةً لِلَّهِ وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ عِبَادَةً لَهُ. وَهَذَا لَا يُبِيحُ السُّجُودَ لِلْبَشَرِ فِي شَرِيعَتِنَا؛ فَسُجُودُ التَّحِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمٌ فِيهَا، وَسُجُودُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِهِ شِرْكٌ. [الْبَقَرَةُ: ٣٤؛ ص: ٧٣]

أَمَّا إِبْلِيسُ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ، وَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الْأَعْرَافُ: ١٢]. فَرَدَّ أَمْرَ اللَّهِ، وَجَعَلَ أَصْلَ خِلْقَتِهِ حُجَّةً يَتَعَالَى بِهَا عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الْكَهْفُ: ٥٠]. فَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مَلَكٌ تَحَوَّلَ إِلَى شَيْطَانٍ.

فَطَرَدَ اللَّهُ إِبْلِيسَ وَأَذَلَّهُ، وَسَأَلَ إِبْلِيسُ الْإِمْهَالَ، فَأَمْهَلَهُ اللَّهُ إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ. وَتَوَعَّدَ بِإِغْوَاءِ بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. وَمِنْ هُنَا يَعْرِفُ الْمُؤْمِنُ أَنَّ عَدَاوَةَ الشَّيْطَانِ لَهُ قَدِيمَةٌ، وَأَنَّ الْعِصْمَةَ مِنْ كَيْدِهِ تُطْلَبُ مِنَ اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ لَهُ وَاتِّبَاعِ هُدَاهُ. [الْأَعْرَافُ: ١٣–١٨؛ الْحِجْرُ: ٣٤–٤٢]

وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرُ كُفْرِ إِبْلِيسَ ذَرِيعَةً إِلَى تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِكُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ فَلَيْسَ كُلُّ ذَنْبٍ كُفْرًا. وَقَدْ جَمَعَ إِبْلِيسُ إِلَى الْمُخَالَفَةِ الْإِبَاءَ وَالِاسْتِكْبَارَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَنَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى كُفْرِهِ. [الْبَقَرَةُ: ٣٤]

فِي الْجَنَّةِ وَالِابْتِلَاءُ بِالشَّجَرَةِ

أَدْخَلَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْجَنَّةَ، وَأَسْكَنَهُ فِيهَا مَعَ زَوْجِهِ. وَأَبَاحَ لَهُمَا أَنْ يَأْكُلَا مِنْهَا حَيْثُ شَاءَا، وَنَهَاهُمَا عَنْ قُرْبَانِ شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَحَذَّرَهُ مِنْ عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُ وَلِزَوْجِهِ، وَبَيَّنَ لَهُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ: لَا جُوعَ وَلَا عُرْيَ، وَلَا ظَمَأَ وَلَا تَعَرُّضَ لِحَرِّ الشَّمْسِ. [صَحِيحُ مُسْلِمٍ: ٨٥٤ ب؛ الْبَقَرَةُ: ٣٥؛ الْأَعْرَافُ: ١٩؛ طه: ١١٧–١١٩]

لَكِنَّ الشَّيْطَانَ وَسْوَسَ لَهُمَا، وَزَيَّنَ لَهُمَا الْأَكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ. وَزَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا يَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ مِنَ الْخَالِدِينَ، وَحَلَفَ لَهُمَا أَنَّهُ لَهُمَا نَاصِحٌ. وَقَالَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ﴾. فَهَذِهِ أَوْصَافٌ زَعَمَهَا الشَّيْطَانُ خِدَاعًا، وَلَيْسَتْ إِقْرَارًا مِنَ الْوَحْيِ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ تَمْنَحُ الْخُلُودَ. [الْأَعْرَافُ: ٢٠–٢١؛ طه: ١٢٠]

فَأَكَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَزَوْجُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا، وَأَخَذَا يَسْتُرَانِ أَنْفُسَهُمَا بِوَرَقِ الْجَنَّةِ. وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا، مُذَكِّرًا إِيَّاهُمَا بِنَهْيِهِ عَنِ الشَّجَرَةِ وَبِعَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ. وَالْقُرْآنُ يَنْسِبُ الْأَكْلَ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا، فَلَا نَجْعَلُ الْمَرْأَةَ وَحْدَهَا مَصْدَرَ الذَّنْبِ، وَلَا نُحَمِّلُهَا وِزْرَ زَوْجِهَا. [الْأَعْرَافُ: ٢٢؛ طه: ١٢١]

وَذَكَرَ اللَّهُ نِسْيَانَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَضَعْفَ عَزْمِهِ فِي هَذَا الِابْتِلَاءِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ عَصَى رَبَّهُ فَغَوَى. فَنَقِفُ عِنْدَ خَبَرِ اللَّهِ، مَعَ حِفْظِ مَقَامِ نَبِيِّهِ وَالْأَدَبِ مَعَهُ؛ فَلَا نُنْكِرُ مَا أَثْبَتَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الزَّلَّةِ، وَلَا نَفْصِلُهَا عَمَّا أَعْقَبَهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالِاجْتِبَاءِ وَالْهِدَايَةِ. [طه: ١١٥، ١٢١–١٢٢]

التَّوْبَةُ وَالْهُبُوطُ وَوَعْدُ الْهِدَايَةِ

رَجَعَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَزَوْجُهُ إِلَى رَبِّهِمَا، وَاعْتَرَفَا بِذَنْبِهِمَا، وَسَأَلَاهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافُ: ٢٣]. وَفِي هَذَا الدُّعَاءِ إِقْرَارٌ بِالتَّقْصِيرِ، وَافْتِقَارٌ إِلَى اللَّهِ، وَرَجَاءٌ فِي رَحْمَتِهِ.

وَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَلَقَّى مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: ١٢٢]. وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الَّذِي يَظْهَرُ بَيْنَ مَنْ يَعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ وَيَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ يُصِرُّ عَلَى الْكِبْرِ وَرَدِّ الْأَمْرِ. [الْبَقَرَةُ: ٣٧]

وَأَمَرَ اللَّهُ بِالْهُبُوطِ إِلَى الْأَرْضِ، حَيْثُ تَكُونُ الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ، وَمِنْهَا يَكُونُ الْبَعْثُ. وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً؛ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا جَرَى خَارِجًا عَنْ عِلْمِهِ وَتَقْدِيرِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقَدَرُ لَيْسَ عُذْرًا لِلْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَلَمْ يَتَّخِذِ التَّقْدِيرَ سَبِيلًا إِلَى تَرْكِ التَّوْبَةِ. [الْبَقَرَةُ: ٣٠، ٣٦–٣٨؛ الْأَعْرَافُ: ٢٤–٢٥]

وَلَمْ يَتْرُكِ اللَّهُ بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِلَا هُدًى، بَلْ قَالَ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الْبَقَرَةُ: ٣٨]. وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ [طه: ١٢٣]. فَطَرِيقُ النَّجَاةِ هُوَ الْإِيمَانُ بِوَحْيِ اللَّهِ وَاتِّبَاعُهُ، وَطَاعَةُ رُسُلِهِ، وَالْحَذَرُ مِنَ الْعَدُوِّ الَّذِي أَخْرَجَ أَبَوَيْنَا مِنَ الْجَنَّةِ. [الْأَعْرَافُ: ٢٧]

وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ ذَنْبَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الْأَنْعَامُ: ١٦٤]. فَالْإِنْسَانُ مَسْؤُولٌ عَنْ عَمَلِهِ، وَلَا يُولَدُ حَامِلًا ذَنْبَ أَبِيهِ.

مَا نَتَعَلَّمُهُ مِنَ الْقِصَّةِ

تُعَلِّمُنَا قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ نَتَلَقَّى أَمْرَ اللَّهِ بِالتَّسْلِيمِ، وَأَلَّا نَغْتَرَّ بِأَنْفُسِنَا أَوْ بِمَا عِنْدَنَا مِنْ عِلْمٍ. فَالْمَلَائِكَةُ رَدُّوا الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ، وَأَطَاعُوا أَمْرَهُ. وَإِبْلِيسُ حَمَلَهُ الْكِبْرُ عَلَى رَدِّ الْحَقِّ؛ فَلْيَحْذَرِ الْمُؤْمِنُ أَنْ تَمْنَعَهُ مَكَانَتُهُ أَوْ عَصَبِيَّتُهُ مِنْ قَبُولِ مَا ثَبَتَ عَنْ رَبِّهِ.

وَأَبَاحَ اللَّهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِزَوْجِهِ أَنْ يَتَمَتَّعَا بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ، مَعَ نَهْيِهِمَا عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِقَدْرِ نِعَمِ اللَّهِ وَوُجُوبِ الْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ. وَمِنْ شُكْرِهِ أَنْ نَنْتَفِعَ بِمَا أَبَاحَ، وَأَلَّا تَحْمِلَنَا الرَّغْبَةُ فِيمَا حَرَّمَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ. [الْبَقَرَةُ: ٣٥]

وَتُعَلِّمُنَا الْقِصَّةُ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يُزَيِّنُ الْمَعْصِيَةَ بِصُورَةِ النَّصِيحَةِ، وَأَنَّ حُسْنَ الظَّاهِرِ لَا يَجْعَلُ الْمُحَرَّمَ حَلَالًا. فَيَزِنُ الْمُسْلِمُ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الثَّبَاتَ، وَيَجْتَنِبُ أَسْبَابَ الْفِتْنَةِ.

وَبَعْدَ ذِكْرِ الْقِصَّةِ، يُذَكِّرُ اللَّهُ بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنِعْمَةِ اللِّبَاسِ الَّذِي يَسْتُرُ عَوْرَاتِهِمْ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ لِبَاسَ التَّقْوَى خَيْرٌ. وَفِي ذَلِكَ دَعْوَةٌ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْحَيَاءِ وَالسَّتْرِ، وَالْعِنَايَةِ بِصَلَاحِ الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ مَا حَرَّمَهُ. [الْأَعْرَافُ: ٢٦–٢٧]

فَإِذَا زَلَّ الْعَبْدُ، بَادَرَ إِلَى التَّوْبَةِ صَادِقًا مُخْلِصًا لِلَّهِ، وَتَرَكَ الذَّنْبَ، وَنَدِمَ عَلَيْهِ، وَعَزَمَ عَلَى أَلَّا يَعُودَ إِلَيْهِ، وَأَدَّى حُقُوقَ الْعِبَادِ أَوْ حَصَلَ عَلَى عَفْوِهِمْ إِنْ تَعَلَّقَ الذَّنْبُ بِهَا. وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَا يَجْعَلُ رَجَاءَ الْمَغْفِرَةِ سَبَبًا لِلْإِصْرَارِ. وَيَبْقَى دُعَاءُ أَبَوَيْنَا تَذْكِيرًا بِحَاجَتِنَا إِلَى رَبِّنَا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافُ: ٢٣].

أَسْئِلَةٌ شَائِعَةٌ

هَلْ كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟

نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الْكَهْفُ: ٥٠]. وَقَدْ دَخَلَ فِي الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ، فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ.

مَا نَوْعُ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟

لَمْ يُسَمِّهَا الْقُرْآنُ، وَلَا نَجْزِمُ بِتَعْيِينِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ صَحِيحٍ. وَالْعِبْرَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهَا، وَوُقُوعِ الزَّلَّةِ، وَمَا تَلَاهَا مِنَ التَّوْبَةِ؛ فَلَا نُسَمِّيهَا تُفَّاحَةً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ.

أَيْنَ هَبَطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَمْ أَقَامَ فِي الْجَنَّةِ؟

لَا نُعَيِّنُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَوْضِعَ الْهُبُوطِ وَلَا مُدَّةَ الْإِقَامَةِ؛ فَالْأَخْبَارُ الْمَشْهُورَةُ فِي هَذَا تَحْتَاجُ إِلَى تَثَبُّتٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ خَلْقِهِ وَدُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ نُحَدِّدَ مِنْ ذَلِكَ وَحْدَهُ عَدَدَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَقَامَهَا فِيهَا.

هَلْ وَرِثَ الْبَشَرُ ذَنْبَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟

لَا. تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ، وَلَا تَحْمِلُ نَفْسٌ إِثْمَ نَفْسٍ أُخْرَى. [الْبَقَرَةُ: ٣٧؛ طه: ١٢٢؛ الْأَنْعَامُ: ١٦٤]