الحجاب الشرعي: شروطه وأحكامه وأخطاء شائعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قد يغطي غطاء الرأس الشعر، وتبقى الرقبة أو الأذنان أو أعلى الصدر ظاهرة. وقد يكون الثوب طويلا، لكنه يشف عما تحته أو يحدد تفاصيل البدن. لذلك لا يكفي اسم «الحجاب» على قطعة من اللباس؛ بل ينظر إلى ما تستره وكيف تستره، وإلى من تظهر المرأة أمامهم.
والحجاب عبادة تتقرب بها المسلمة إلى الله، وليس عادة تختص بقوم، ولا علامة تغني عن الصلاة والصدق وحسن الخلق. وفي أحكامه تفاصيل تحتاجها المرأة عند اختيار ملابسها، وفي الصلاة والزيارات العائلية، ومن المهم ألا يختلط حكم موضع بحكم آخر.
ما الحجاب الشرعي؟ ومتى يجب؟
المقصود هنا ستر المرأة بدنها وزينتها عن الرجال غير المحارم على الوجه الذي أمر الله به. والمحرم من تحرم عليه المرأة على التأبيد بسبب معتبر، كالأب والأخ والابن، وليس كل قريب أو رجل تعرفه الأسرة محرما.
ويجب الحجاب عند البلوغ، ولا يؤخر إلى الزواج أو التخرج أو بلوغ الثامنة عشرة. وقبل البلوغ تعود البنت الستر والحياء برفق يناسب سنها، دون إذلال أو تخويف. وقد بين ابن باز رحمه الله وجوب الحجاب عند البلوغ واستحسان التعويد قبله. وتفصيل العلامات في علامات البلوغ وأحكام التكليف للبنين والبنات.
ومن أدلته قول الله تعالى:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31، من الآية].
الخمار ما تغطي به المرأة رأسها، والجيوب فتحات الثياب عند الصدر؛ فليس المقصود تغطية الشعر مع ترك العنق والصدر مكشوفين.
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59، من الآية].
فالخطاب يشمل نساء المؤمنين، ولا يختص بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن. ومع أمر النساء بالستر، أمر الله الرجال بغض البصر في سورة النور (30)؛ فلا يسقط تكليف أحد الطرفين بتقصير الآخر.
ما شروط اللباس الذي يتحقق به الحجاب؟
يراعى في لباس المرأة أمام غير المحارم ما يأتي:
- أن يستر ما يجب ستره، فلا تظهر منه مواضع الشعر أو الأذنين أو الرقبة أو الصدر أو الذراعين أو الساقين. ويأتي بيان الوجه والكفين على حدة.
- أن يكون كثيفا لا يشف لون البشرة أو ما تحته؛ فقد يبدو الثوب ساترا في الغرفة ثم يشف في ضوء الشمس.
- أن يكون واسعا لا يحدد تفاصيل البدن؛ فطول الثوب لا يعالج ضيقه عند الصدر أو الخصر أو الساقين.
- ألا يكون في نفسه زينة ظاهرة تلفت أنظار الرجال، بما فيه من زخرفة بارزة أو تصميم يستعرض البدن. وليس كل لون غير الأسود زينة محرمة.
- ألا يكون مطيبا بعطر تظهر رائحته للرجال عند مرور المرأة بهم.
- ألا يكون من اللباس المختص بالرجال، ولا مما يختص بغير المسلمين من أزياء أو شعارات. أما ما يشترك الناس في لبسه فليس تشبها محرما لمجرد أن غير المسلمين يلبسونه، مع بقاء سائر شروط الستر.
- ألا يقصد به الشهرة والتعالي وجذب الأنظار بغرابته. والتمسك بالستر المشروع لا يصير مذموما لمجرد قلة الملتزمات به في مكان ما.
ومن الوعيد في اللباس الذي لا يحقق الستر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل:
«وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ».
رواه مسلم (2128، من الحديث). فلا يكفي وجود قماش على البدن إذا بقيت العورة ظاهرة أو لم يتحقق الستر. وهذا وعيد يدعو إلى التوبة، لا إذن للحكم على امرأة بعينها بالكفر أو القطع بمآلها في الآخرة.
هل يجب ستر الوجه والكفين؟
أفتى ابن باز رحمه الله بوجوب ستر الوجه والكفين عن الرجال غير المحارم، وهو القول المتبع هنا. وقد ذكر مع ترجيحه الوجوب أن المسألة مما اختلف فيه أهل العلم.
ولا يمتد هذا الخلاف إلى إباحة كشف الشعر أو الرقبة أو الصدر. كما أن القول بكشف الوجه عند من يقول به ليس إذنا بإظهار المكياج والزينة للرجال. ومن التبس عليها حكم أو نازلة خاصة فلتسأل عالما موثوقا بعلمه واتباعه، دون تتبع الأجوبة لمجرد موافقتها للرغبة.
ولا تتعين لستر الوجه طريقة واحدة في تفصيل غطائه؛ المهم أن يتحقق الستر. كما لا تتخذ المسألة بابا للتشهير بالنساء أو الطعن في نياتهن.
أخطاء شائعة يمكن تداركها
من أكثر الأخطاء أن يلتف غطاء الرأس إلى الخلف فيظهر العنق، أو تقصر الأكمام عند رفع اليد، أو تنفتح العباءة أثناء المشي، أو يحدد الحزام الخصر تحديدا ينافي الستر. وقد يستر الثوب المرأة وهي واقفة ثم يرتفع عن ساقيها عند الجلوس.
قبل الخروج، جربي الجلوس والانحناء ورفع الذراعين، وانظري إلى القماش في إضاءة واضحة. والمقصود تدارك ما يظهر عادة بالحركة، لا الانشغال بالوسوسة وفحص كل ثنية في الثوب. أما الانكشاف العارض بغير قصد، فبادري إلى تغطيته، ولا تسوي بينه وبين تعمد الكشف.
ومن الأخطاء أيضا عد الحجاب مطلوبا في الشارع فقط، ثم التساهل أمام ابن العم أو أخي الزوج في البيت. فالحجاب يراعى أمام غير المحرم في البيت كما يراعى خارجه.
ولآداب اللباس العامة، كدعاء لبس الثوب والتيامن، انظري سنن اللباس والهيئة.
الفرق بين لباس الصلاة والحجاب أمام غير المحارم
ليست أحكام البابين متطابقة. فقد بين ابن باز أن المرأة في الصلاة تستر بدنها، ومنه القدمان، ويكون وجهها مكشوفا إذا لم يكن عندها رجل غير محرم، ويجوز كشف الكفين، وسترهما أفضل عنده. أما عند وجود غير المحرم فتراعي الستر عنه أيضا على القول المتقدم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ».
رواه أبو داود (641)، وصححه الألباني. ومعنى «حائض» هنا المرأة التي بلغت سن الحيض، لا المرأة المتلبسة بالحيض؛ فالحائض لا تصلي حتى ينقطع حيضها وتغتسل. والحديث في وجوب تغطية رأس البالغة في الصلاة، فلا يفهم منه أن غطاء الرأس وحده يكفي مع انكشاف بقية ما يجب ستره.
وتفصيل صفة الصلاة في كيف تصلي الصلاة الصحيحة خطوة بخطوة.
النصيحة بالحجاب دون ظلم أو تنفير
من قصرت في الحجاب لا تؤخر رجوعها إلى الله حتى تصبح كاملة في سائر أمورها، ولا تترك الصلاة بسبب شعورها بالتقصير. تبدأ بتصحيح ما تعلم من لباسها، وتسأل عما أشكل عليها، وتستعين بالله وبصحبة صالحة تعينها دون تجريح.
وترك الحجاب مع الإقرار بوجوبه معصية، وليس بمجرده خروجا من الإسلام، ولا يحكم بسببه ببطلان جميع أعمال المسلمة. والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فلا يستهان بالذنب، ولا يقنط من رحمة الله.
والنصيحة لا تبيح السخرية أو الضرب أو التهديد أو نشر صور المرأة للتشهير بها. والحجاب لا يجعل صاحبته معصومة، ولا يبيح غيابه اتهام المرأة في عفتها. والتحرش والاعتداء إثم على فاعلهما؛ لا يبرره لباس المعتدى عليها، ولا تعد المرأة بأن الحجاب يمنع عنها كل أذى.
أسئلة شائعة عن الحجاب الشرعي
هل يكفي غطاء الرأس أو العمامة مع ظهور الرقبة؟
لا؛ فتغطية الشعر مع ظهور الرقبة أو الأذنين أو أعلى الصدر لا تحقق الستر المطلوب. يعدل الغطاء أو يضاف إليه ما يستر هذه المواضع، مع مراعاة بقية اللباس، لا الرأس وحده.
هل يجب أن يكون الحجاب أسود؟
لا يجب لون معين. يجوز غير الأسود إذا استوفى الستر ولم يكن زينة ملفتة أو مشتملا على محظور آخر، كما بينت اللجنة الدائمة. ولا يحكم على لون واحد في جميع البيئات والألبسة؛ فقد تختلف دلالة اللون وطريقة استعماله، مع بقاء أصل الشروط.
هل لا بد من عباءة ذات شكل محدد؟
لا يتعين زي بلد بعينه. العبرة بلباس ساتر واسع غير شفاف ولا مزين زينة تلفت الرجال، مع سائر الشروط. وقد تكون القطعة المسماة «عباءة» ضيقة لا تحقق ذلك، ويحقق الستر لباس آخر مستوف للشروط.
هل البنطال مع غطاء الرأس يعد حجابا كافيا؟
البنطال الظاهر الذي يحدد الساقين، ولو كان معه قميص قصير وغطاء رأس، لا يحقق الحجاب. أما بنطال نسائي تحت ثوب خارجي كثيف واسع مغلق يستر البدن ولا يظهر تفاصيله، فليس كإظهاره وحده؛ وقد أجاز بعض أهل العلم هذه الصورة مع انتفاء المحاذير الأخرى. ولا يقاس عليها اللباس الضيق الظاهر أمام الرجال.
هل الجوارب والقفازات واجبة بأعيانها؟
المقصود ستر المواضع التي يجب سترها، لا إلزام المرأة بقطعة ذات اسم معين. وخارج الإحرام، يتحقق ستر الكفين والقدمين أمام غير المحارم بقفاز وجورب ساترين أو بلباس يسترهما فعلا، مع الانتباه إلى انكشافهما بالحركة. ولا يكون الساتر الشفاف كافيا.
ما حكم النقاب والقفازين في الإحرام؟
المحرمة بالحج أو العمرة لا تلبس النقاب ولا القفازين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».
رواه البخاري (1838، من الحديث). وهذا نهي عن هاتين القطعتين، لا عن كل ستر للوجه واليدين؛ وقد بين ابن باز أنها تستر وجهها عن الرجال بغير النقاب، كخمار تسدله عليه، وتستر يديها بعباءتها ونحوها، لا بالقفازين.
هل أتحجب أمام أخي زوجي أو ابن عمي؟
نعم؛ فأخو الزوج وابن العم وابن الخال ليسوا محارم، ولا تجعلهم المعاشرة الأسرية أو التسمية «أخا» محارم. ويراعى معهم الحجاب وترك الخلوة المحرمة، ولو كان اللقاء في بيت العائلة.
هل لباس المرأة أمام النساء والمحارم كلباسها أمام الأجانب؟
لا يتطابق الحكم؛ فقد ميزت آية النور بين من يجوز إبداء الزينة لهم وبين الرجال الأجانب. ومن ذلك ظهور الرأس والوجه واليدين أمام المحارم، مع بقاء الحشمة، كما بين ابن باز. ولا يعني هذا إباحة التعري أو التساهل في الكشف أمام النساء والأقارب، ولا يسوى الزوج بغيره، وتسأل عن الصور الخاصة عند الحاجة.
هل العطر ممنوع حتى في البيت؟
ليس كل استعمال للعطر ممنوعا؛ فتطيب المرأة في بيتها لزوجها جائز. والمنهي عنه هنا خروجها بعطر يجد الرجال ريحه، حتى لو كان خروجها إلى المسجد. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا».
رواه مسلم (443). حافظي على النظافة، واختاري عند الخروج ما لا تظهر منه رائحة الطيب للرجال، مثل المستحضرات غير المعطرة.
هل يكفي غطاء الرأس مع إظهار المكياج للرجال؟
لا يجعل غطاء الرأس إظهار الزينة مباحا. وعلى القول المتبع في المقال يستر الوجه عن غير المحارم، ولا يظهر ما عليه من مكياج. والزينة للزوج في موضعها المشروع باب آخر، فلا يخلط بينه وبين إبدائها للأجانب.
إذا استغرب الناس حجابي فهل يصبح لباس شهرة؟
ليس مجرد استغراب الناس للستر المشروع دليلا على تحريمه. المذموم طلب الشهرة والتعالي بلباس يستعرض صاحبه، لا امتثال الواجب وإن خالف عادة مخالفة للشرع. اختاري لباسا مستوفيا للشروط، بعيدا عن التفاخر والتكلف.
هل تبطل صلاتي أو صيامي إن كنت لا ألتزم بالحجاب خارج الصلاة؟
لا يبطلان بمجرد ذلك، إذا أدي كل منهما مستوفيا شروطه وواجباته، كما أفتى ابن باز. لكن يبقى وجوب الحجاب والتوبة من تركه. فلا تتخذي التقصير سببا لترك الصلاة، ولا صحة الصلاة ذريعة للاستمرار في التقصير؛ وصحة العمل فقها لا تعني الجزم بقبوله عند الله.
ماذا أفعل إذا اعترض أهلي أو زوجي على الحجاب؟
بيني الحكم برفق، واستعيني بمن يحسن النصح من أهل العلم والأسرة؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع بقاء حسن المعاملة. وإذا وجد تهديد جاد بالعنف أو الإيذاء، فاطلبي مساعدة آمنة موثوقة وفتوى لحالتك؛ ولا تعالجي الخطر بمواجهة منفردة أو جواب عام لا يراعي ظروفك.
هل تختلف الأحكام في الصور والبث المباشر؟
تراعى أحكام الستر وإظهار الزينة أيضا عند نشر الصور أو الظهور في بث يراه غير المحارم. تحققي ممن يستطيع رؤية المحتوى أو مشاركته، ولا تفترضي أن الحساب الخاص يضمن الخصوصية. وهذا يتعلق بما يظهر في الصورة؛ أما حكم التصوير نفسه فله تفصيل آخر.
