هدي نبويسنن مهجورة في الذكر والدعاء اليومي
حين تخرج من البيت، أو تجلس في مجلس، أو تدرك الصباح والمساء، تجد في السنة ذكرا يناسب حالك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله في أحواله المختلفة؛ قالت عائشة رضي الله عنها: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ". رواه مسلم (373).
والمقصود بسنن مهجورة هنا أعمال ثابتة يغفل عنها بعض الناس، لا أن المسلمين جميعا تركوها. وهذه أمثلة مختارة، وليست حصرا لجميع أذكار اليوم والليلة ولا قائمة يجب أداؤها كلها بهذا الترتيب.
والذكر والدعاء عبادتان لله وحده؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. فالمسلم يسأل ربه، ويتوكل عليه، ويأتي بالأذكار المأثورة باعتبارها أسبابا شرعية، مع يقينه أن النفع والحفظ بيد الله سبحانه.
1لا ينتظر المسلم وقوع ذنب كبير حتى يستغفر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً". رواه البخاري (6307).
وقال صلى الله عليه وسلم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ". رواه مسلم (2702).
ومن ألفاظ الاستغفار: أستغفر الله وأتوب إليه، وللمسلم أن يزيد على السبعين والمائة. أما التوبة من الذنب فواجبة، وتكون بالإقلاع عنه، والندم، والعزم على عدم العودة، ورد الحقوق إلى أهلها إن تعلق الذنب بحق آدمي. وتكرار الاستغفار باللسان مع العزم على الاستمرار في المعصية لا يحقق هذه التوبة.
ولمعرفة الصيغ المأثورة ومعانيها راجع فضل الاستغفار وأفضل صيغ الاستغفار.
2تشتمل أذكار الصباح والمساء على التوحيد، والثناء على الله، والاستعاذة به، وسؤال العافية. ومن الأذكار العظيمة التي يقولها المسلم في يومه وليلته سيد الاستغفار:
"اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ".
رواه البخاري (6306). وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من قاله من النهار موقنا به، ثم مات قبل المساء، فهو من أهل الجنة، وكذلك من قاله من الليل موقنا به، ثم مات قبل الصباح. وقد علق الحديث هذا الفضل على اليقين بما يقوله الداعي؛ فهو يقر بالتوحيد والعبودية، ويعترف بنعمة الله عليه وبذنبه، ويسأل المغفرة.
وتجد بقية الألفاظ الثابتة، مع أوقاتها وأعدادها، في مقالَي أذكار الصباح وأذكار المساء.
3من الأذكار اليسيرة قول سبحان الله وبحمده مائة مرة في اليوم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". رواه البخاري (6405).
ويقول المسلم مائة مرة في اليوم:
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن من قاله بهذا العدد كان له أجر عتق عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكان له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا من عمل أكثر منه. رواه البخاري (6403).
والحفظ من الله، والذكر سبب شرعي له. ووعد تكفير الخطايا في مثل هذه الأذكار يحمله أهل العلم على الصغائر مع اجتناب الكبائر؛ أما الكبائر فتحتاج إلى توبة، وحقوق الناس لا تسقط بمجرد الذكر.
4قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا". رواه مسلم (408).
ومن ذلك أن تقول: اللهم صل وسلم على نبينا محمد. وفيه سؤال الله أن يصلي ويسلم على نبيه، لا توجيه الدعاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من دون الله.
ويتأكد الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة؛ قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ". رواه أبو داود (1531)، وصححه الألباني. ولا ينسب المسلم عددا خاصا أو ثوابا معينا إلى السنة بلا دليل.
5بعد التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل السلام، موضع مشروع للدعاء. ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو". رواه البخاري (835).
ومن المأثور في هذا الموضع:
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ". رواه مسلم (588).
ثم يدعو بما تيسر من الدعاء المشروع، وهو باق على هيئة الجلوس في الصلاة، من غير أن يرفع يديه للدعاء في هذا الموضع.
6تجمع الأدعية الجامعة خير الدين والدنيا والآخرة في كلمات قليلة. قالت عائشة رضي الله عنها: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ". رواه أبو داود (1482)، وصححه الألباني.
ومنها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. وقد أخبر أنس رضي الله عنه أنه كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري (6389).
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى". رواه مسلم (2721).
ومع هذه الأدعية، يسأل المسلم ربه حاجاته المباحة، كالعافية، وصلاح أهله، والرزق الحلال، وقضاء الدين، من غير إثم ولا اعتداء. ولأمثلة أخرى راجع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة.
7قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ". رواه مسلم (2018).
وعند الخروج يقول المسلم: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. ورد ذلك في حديث أنس رضي الله عنه، رواه أبو داود (5095)، وصححه الألباني.
وتفصيل ألفاظ الدخول والخروج وأدلتها في أذكار دخول البيت والخروج منه.
8كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب:
"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ". رواه مسلم (2730).
وفي هذا الذكر توحيد لله وتعظيم له، وافتقار إليه عند الشدة. ومع الدعاء يأخذ المسلم بالأسباب المباحة، من علاج أو استشارة أو طلب مساعدة ممن يقدر عليها؛ فهذا لا ينافي التوكل.
ومن أراد مزيدا من المأثور فليقرأ أذكار الهم والحزن والكرب.
9من السنن التي قد يغفل عنها الإنسان أن يدعو لغيره في غيبته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ". رواه مسلم (2732).
فادع لوالديك، وأهلك، والمريض، ومن علمت حاجته، وللمسلمين عامة. ولا يتوقف ذلك على أن يطلبوا منك الدعاء أو أن تخبرهم به.
10عند القيام من المجلس يقول المسلم:
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، ثم قال هذا الذكر قبل أن يقوم منه، غفر له ما كان في مجلسه ذلك. رواه الترمذي (3433)، وقال: حديث حسن غريب صحيح.
ويشرع هذا الذكر عند ختام مجلس العلم أو الحديث المعتاد أيضا. وهو لا يغني عن التوبة من الغيبة والظلم، ولا يسقط حقوق الناس.
11من آداب الدعاء أن يبدأ المسلم بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل حاجته؛ دل على ذلك حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه، رواه أبو داود (1481)، وصححه الألباني. ويحرص على فهم ما يقول، وعلى سؤال الخير لا الإثم وقطيعة الرحم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ". ولما سئل عن الاستعجال قال: "يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ". رواه مسلم (2735).
فلا يترك المسلم الدعاء لأن ما طلبه لم يظهر في الوقت الذي أراده، ولا يجزم بأن تأخر الفرج دليل على أن الله لا يقبل منه. يدعو ويرجو ويحسن الظن بربه، مع العمل بالأسباب المشروعة.
خارج الصلاة يجوز أن يدعو المسلم بلغته بما كان معناه صحيحا ومشروعا، والله يعلم قصده وحاجته. أما داخل الصلاة ففيه تفصيل بين أهل العلم بحسب القدرة على العربية. فيتعلم المسلم ما يحتاجه من الأدعية المأثورة، ومن عجز عن العربية يسأل أهل العلم عن حكم حاله، ولا يؤخر الصلاة بسبب ذلك.
لا يشترط الوضوء لهذه الأذكار، وللمرأة أن تأتي بها في الحيض والنفاس أيضا؛ فحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه رواه مسلم (373). أما قراءة القرآن ومس المصحف فلهما أحكام أخرى، ولا يدخلان بإطلاق في هذا الجواب.
رفع اليدين من آداب الدعاء في الجملة، لكن يتبع المسلم السنة في المواضع المقيدة. فلا يرفع يديه للدعاء بين السجدتين أو قبل السلام، ولا يجعل رفعهما عادة مرتبطة بالفرائض بعد السلام. وقد بين الشيخ ابن باز رحمه الله أن هذه المواضع تختلف عن الدعاء المطلق الذي يشرع فيه الرفع.
وكذلك لا يرفع الخطيب والمأمومون أيديهم في دعاء خطبة الجمعة المعتاد؛ أما إذا استسقى الخطيب فيشرع الرفع. وليس مجرد عدم العثور على رواية لكل دعاء عارض دليلا على منع رفع اليدين في الدعاء المطلق.
ما ثبت له عدد أو وقت أو مناسبة يؤتى به كما ورد، مثل التسبيح مائة مرة في اليوم، والذكر عند الخروج من البيت. وما كان ذكرا مطلقا فلا ينسب إلى عدد يختاره الإنسان ثواب خاص أو سنة لم تثبت، ولا يتخذ له هيئة جماعية راتبة بلا دليل. وينبغي التحقق من الرسائل التي تعد بفضائل لأعداد وصيغ لم يثبت فضلها.
نعم، يسأل المسلم ربه حاجاته المباحة، ويحافظ مع ذلك على الأدعية الجامعة المأثورة. ولا يشترط أن تكون كل كلمة يدعو بها مقتبسة من حديث، لكن لا ينسب صيغة من إنشائه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجعل لها فضلا خاصا بلا دليل، ولا يدعو بإثم أو قطيعة رحم.