من هم المحارم؟ أحكام الخلوة والمصافحة والسفر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قد يجتمع في بيت العائلة عم المرأة وابن عمها، ويكون الأول محرما لها والثاني غير محرم، مع أن كليهما من أقاربها. وكذلك أبو الزوج ليس كأخيه، وزوج الأم لا يأخذ حكم الأب لمجرد الخطبة أو العقد. وهذه فروق تؤثر في الحجاب والخلوة والمصافحة والسفر، ولا تغيرها الألفة أو التربية في بيت واحد.

ومعرفة المحارم لا تعني قطع الصلة بغيرهم؛ فصلة الرحم لها صور مشروعة، والاحترام لا يتوقف على المصافحة أو الانفراد. المهم أن يعرف المسلم صلة القرابة على حقيقتها، ثم يراعي الحكم المناسب لها.

ما معنى المحرم؟

محرم المرأة من يحرم عليه الزواج بها على التأبيد بسبب نسب، أو رضاع محرم، أو مصاهرة مباحة. أما من منع زواجه منها لسبب مؤقت فلا يصبح بذلك محرما لها.

والزوج ترافقه زوجته ويجوز بينهما ما أباحه عقد النكاح، لكنه ليس محرما بهذا التعريف؛ لأن المحرم يحرم عليه نكاحها، والزوج نكاحه بها قائم. لذلك يعبر الفقهاء في هذا الباب بقولهم: «الزوج أو المحرم».

وكلمة «أجنبي» في أحكام الخلوة والحجاب تعني الرجل غير المحرم، ولو كان ابن عم أو من أهل البلد نفسه؛ فلا يراد بها اختلاف الجنسية.

المحارم من النسب

ذكر الله تعالى أصناف المحرمات من النساء، فقال:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23، من الآية].

ويقابل هذه الأصناف من الرجال محارم المرأة من النسب، وهم:

  1. الأب والأجداد من جهة الأب أو الأم، وإن علوا.
  2. الابن وأبناء الأبناء وأبناء البنات، وإن نزلوا.
  3. الأخ الشقيق، والأخ من الأب، والأخ من الأم.
  4. العم، وهو أخو الأب، وكذلك أعمام الآباء والأمهات وإن علوا.
  5. الخال، وهو أخو الأم، وكذلك أخوال الآباء والأمهات وإن علوا.
  6. أبناء الإخوة، وأبناء أبنائهم وبناتهم وإن نزلوا.
  7. أبناء الأخوات، وأبناء أبنائهن وبناتهن وإن نزلوا.

وهذا تعداد لأصناف القرابة، لا لأشخاص معدودين في الأسرة. أما ابن العم وابن العمة وابن الخال وابن الخالة فليسوا محارم بمجرد هذه القرابة.

المحارم من الرضاع

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».

رواه البخاري (2645، من الحديث). فالرضاع الذي استوفى شروطه يثبت به من التحريم نظير ما يثبت بالنسب؛ ومن أمثلته الأخ من الرضاع والعم من الرضاع. ولا يعني ذلك ثبوت النسب أو الميراث كما يثبتان بالولادة.

وتكون المرضعة أما له من الرضاع، وزوجها صاحب اللبن أبا له من الرضاع. ويكون أولاد المرضعة وأولاد صاحب اللبن إخوة له، ولو لم يرضعوا معه أو كانوا من زواج آخر.

وقد أفتى ابن باز رحمه الله باشتراط خمس رضعات معلومات في الحولين قبل الفطام. وفي عدد الرضعات خلاف بين الفقهاء؛ والقول المتبع هنا هو فتوى ابن باز.

إذا قيل في الأسرة: «لعل فلانا رضع معنا»، فلا يكفي ذلك وحده للجزم بالمحرمية. تتحقق الأسرة من هوية المرضعة وزمن الرضاع وعدده، ثم تسأل عالما موثوقا عما أشكل، خاصة إذا تعلق به زواج أو حجاب أو خلوة.

المحارم بالمصاهرة: قرابة الزواج

تثبت المحرمية في الصور الآتية مع اعتبار صحة النكاح:

  1. أبو الزوج وأجداده: يصبحون محارم للزوجة بمجرد عقد النكاح الصحيح، ولو لم يدخل الزوج بها.
  2. أبناء الزوج وأبناء أبنائه وبناته: تثبت المحرمية بينهم وبين زوجته بمجرد العقد الصحيح، ولو لم يكونوا أبناءها.
  3. زوج البنت أو بنت الابن أو بنت البنت: تثبت محرمية الزوج لأم زوجته وجداتها بمجرد العقد الصحيح.
  4. زوج الأم أو الجدة: لا يكون محرما للبنت أو الحفيدة بمجرد العقد، بل بعد الدخول بالأم أو الجدة، أي حصول الجماع، لا مجرد الخطبة أو الخلوة.

والشرط في الصورة الرابعة مأخوذ من آية النساء (23). فلا يسوى زوج الأم قبل الدخول بها بأبي الزوج الذي تثبت محرمّيته بالعقد. وإذا ثبتت المحرمية بهذه الأسباب فهي مؤبدة، لا تزول لمجرد الطلاق أو وفاة الزوج.

أما أخو الزوج وعمه وخاله وابن عمه، وزوج الأخت وزوج العمة وزوج الخالة، فليسوا محارم لمجرد هذه المصاهرة. ولا يجعلهم من المحارم قول الأسرة: «هو مثل أخيها».

لماذا لا يكفي تحريم الزواج المؤقت؟

أخت الزوجة لا تحل للرجل مع بقاء أختها في عصمته، لكنها ليست محرما له. وكذلك زوج الأخت ليس محرما لأخت زوجته. فالمحرمية ليست مجرد عدم جواز الزواج في الوقت الحاضر، بل تحريم مؤبد بسبب معتبر.

وهذا يفسر أيضا خطأ اعتبار كل امرأة متزوجة محرما للرجال؛ فزواجها يمنع عقد غير زوجها عليها، لكنه لا يبيح لهم الخلوة بها أو مصافحتها.

الخلوة: متى تكون ممنوعة؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».

رواه مسلم (1341، من الحديث). والخلوة الممنوعة انفراد رجل بامرأة غير محرم له، كأن يكونا وحدهما في مسكن أو غرفة لا يدخل عليهما فيها أحد عادة. ولا يباح ذلك لمجرد الثقة أو حسن القصد أو تسمية اللقاء عملا أو تعليما.

أما الكلام المباح لحاجة في مكان ظاهر، مع مراعاة الحجاب وغض البصر واجتناب الخضوع بالقول، فليس كخلوتهما في موضع منفرد. ويجب النظر إلى حقيقة المكان والحضور، لا إلى مجرد كون الباب غير مقفل أو وجود أشخاص بعيدين لا يطلعون عليهما.

وفي شأن أقارب الزوج، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمو قال:

«الْحَمْوُ الْمَوْتُ».

رواه البخاري (5232). والمقصود التحذير الشديد من التساهل مع قريب الزوج غير المحرم، كأخيه، الذي قد يسهل دخوله البيت؛ وليس المقصود أبا الزوج أو ابنه اللذين تثبت محرمّيتهما، ولا أن كل قريب متهم في نفسه.

حكم المصافحة بين غير المحارم

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ».

رواه النسائي (4181، من الحديث). وورد ذلك في مبايعة النساء. وقد أفتى ابن باز بمنع مصافحة غير المحارم، ولو من وراء حائل، مع جواز السلام بالكلام الطيب.

فلا تتحول بنت العم أو زوجة الأخ إلى محرم بسبب القرابة، ولا تبيح المجاملة المصافحة الممنوعة. ويمكن القول بلطف: «أهلا بك، وأعتذر عن المصافحة»، مع الترحيب وحسن المعاملة، دون إهانة الطرف الآخر أو الدخول في خصومة.

وأحكام المصافحة والخلوة مخاطب بها الرجل والمرأة معا؛ فلا تلقى المسؤولية كلها على المرأة، ولا يطالبها رجل بمصافحته ثم يلومها على الالتزام بالحكم.

سفر المرأة مع الزوج أو المحرم

في الحديث المتقدم نهي عن سفر المرأة دون محرم. وفي تتمته أن رجلا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأته خرجت للحج، وأنه اكتتب في غزوة، فقال له:

«انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ».

رواه مسلم (1341). وقد أفتى ابن باز باشتراط مرافقة الزوج أو المحرم في السفر، بالطائرة وغيرها؛ فلا يكفي أن يوصلها قريب إلى المطار ويستقبلها آخر في الوجهة. وهذا هو القول المتبع هنا، مع وجود خلاف فقهي في بعض صور حج الفريضة مع الرفقة المأمونة.

ومن شروط المرافق أن يكون بالغا عاقلا، وقد بين ذلك ابن عثيمين رحمه الله؛ فلا يكفي طفل صغير لمجرد أنه ابنها أو أخوها. وتراعى أمانته وقدرته على المرافقة والحفظ، وتسأل عن الحالات الخاصة التي يشتبه فيها تحقق الشروط.

والعبرة بما يعد سفرا شرعا، لا بعدد ساعات الطيران وحده. أما التنقل المعتاد داخل البلد فليس كل خروج فيه سفرا، مع بقاء أحكام الخلوة والستر. كذلك وجود امرأة أخرى قد يرفع الخلوة في صورة معينة، لكنه لا يجعلها محرما للسفر.

وإذا وجدت ضرورة ملجئة أو خطر على النفس، فلا تقاس الواقعة على رحلة اختيارية؛ بل يطلب توجيه خاص من أهل العلم بحسب الحال والاستطاعة، ولا تجعل الضرورة عنوانا عاما لكل رغبة أو مشقة معتادة.

أسئلة شائعة عن المحارم والخلوة والمصافحة والسفر

هل ابن العم أو ابن الخال محرم إذا تربينا معا؟

لا؛ فالتربية في بيت واحد والألفة لا تنشئان محرمية. يبقى ابن العم وابن الخال غير محرمين، إلا إذا وجد سبب آخر ثابت، كالرضاع المحرم المستوفي لشروطه.

ما الفرق بين أبي الزوج وأخي الزوج؟

أبو الزوج محرم لزوجة ابنه بالعقد الصحيح، أما أخو الزوج فليس محرما لها بمجرد زواج أخيه بها. وكذلك عم الزوج وخاله ليسا كأبيه. فإذا ثبتت قرابة أخرى توجب المحرمية فلها حكمها، ولا يكفي مجرد انتسابهم إلى أسرة الزوج.

هل زوج الأم محرم قبل دخوله بها؟ وهل يبقى محرما بعد طلاقها؟

لا تثبت محرمّيته للبنت بمجرد العقد على أمها، بل بعد الدخول بالأم. فإذا حصل الدخول ثبتت المحرمية المؤبدة، فلا تزول بطلاق الأم أو وفاتها. وإذا اشتبهت صحة العقد أو حصول الدخول، فلا يبنى الحكم على الظن أو تسمية الرجل «أبا».

هل أبناء زوج الأم وبنات زوجة الأب إخوة محارم؟

ليسوا محارم لمجرد زواج أحد الوالدين بالآخر، إذا لم تجمعهم قرابة نسب أو رضاع محرم. فالبنت وابن زوج أمها قد يعيشان في بيت واحد، ولا يصبحان بذلك أخوين من النسب أو الرضاع.

هل الطفل الذي كفلناه يصبح محرما عند كبره؟

الكفالة والإحسان لا يثبت بهما نسب أو محرمية؛ وقد أبطل القرآن جعل الأدعياء أبناء من جهة النسب في سورة الأحزاب (4-5). فإن ثبت رضاع محرم مستوف للشروط فله حكمه، وإلا روعيت أحكام غير المحارم عند بلوغ الطفل. ولا ينقص ذلك من واجب رعايته والإحسان إليه، بل ترتب الأسرة حياتها بما يحفظه ويحفظ الحدود الشرعية.

هل يكفي قول بعض الأقارب: «أظن أنه أخوك من الرضاع»؟

لا تكفي هذه العبارة المشتبهة للجزم بالمحرمية. يجمع ما تعرفه المرضعة والشهود عن الواقعة، ويعرض على أهل العلم؛ فلا يهمل خبر له مستند، ولا يثبت حكم مؤثر بإشاعة. والمقصود التحقق، لا تكليف الأسرة بالتنقيب عن احتمالات لا أصل لها.

هل رضاعة أحد الأبناء تجعل إخوته كلهم أبناء للمرضعة؟

لا؛ فلو رضع طفل من امرأة صارت بناتها أخوات له من الرضاع، لكن أخاه الذي لم يرضع منها لا يصير أخا لهن لمجرد رضاعة أخيه. وقد بين ابن باز هذا الفرق. ويراعى ما قد يوجد من رضاع آخر أو قرابة مؤثرة قبل الحكم على واقعة معينة.

هل الخاطب محرم؟ وماذا يتغير بعد عقد النكاح؟

الخطبة وعد بالزواج، وليست عقد نكاح؛ فلا تبيح الخلوة أو المصافحة أو السفر معه كزوج. انظر الخطبة والتعارف قبل الزواج.

أما بعد عقد نكاح صحيح فقد صار زوجا، لا مجرد خاطب، وإن تأخر حفل الزفاف؛ مع مراعاة الحقوق والاتفاقات المشروعة والتوثيق الذي يحفظها. وتفصيل الشروط في عقد النكاح الصحيح.

هل كل محرم يصلح أن يكون وليا في عقد النكاح؟

لا؛ فباب المحرمية غير باب ولاية النكاح. الخال محرم، لكنه لا يصير ولي النكاح لمجرد خؤولته. وقد يتولى الإجراء بتوكيل صحيح ممن له الولاية، لا لأنه اكتسبها بمجرد القرابة. وترتيب الأولياء وحالات تعذرهم تسأل عنها جهة شرعية موثوقة، ولا تختار الأسرة أي قريب لمجرد سهولة حضوره.

هل يكفي أن يصحب المرأة ابنها الصغير في السفر؟

بنوته تجعل بينهما محرمية، لكن ذلك لا يعني استيفاءه شروط المرافق في السفر. وعلى القول المذكور يلزم البلوغ والعقل، فلا يكفي طفل في التاسعة مثلا لم يبلغ الحلم. فصفة القرابة شيء، وأهلية المرافقة شيء آخر.

هل مجموعة النساء أو إذن الزوج يغنيان عن المحرم في السفر؟

لا يغنيان عنه على فتوى ابن باز المتبعة هنا. فالرفقة النسائية ليست محرما، وإذن الزوج لا يغير حكم السفر. ولا يستدل بزوال الخلوة في وسيلة النقل على زوال شرط المحرم؛ فهما حكمان مختلفان.

هل يجوز الانفراد بالسائق في مشوار قصير داخل المدينة؟

أفتى ابن باز بأن بقاء المرأة وحدها مع السائق غير المحرم خلوة، ولو خمس دقائق. وذكر ترتيب النزول بحيث تبقى امرأتان وتنزلان معا، بدلا من بقاء واحدة وحدها. فهذا مثال على زوال الخلوة بحضور مناسب في مشوار محلي، لا على أن المرأة الأخرى تصبح محرما للسفر.

كيف أتجنب الخلوة في العمل أو لقاء المعلم؟

يرتب اللقاء بحيث يوجد من يرفع الخلوة فعلا، أو يكون في موضع ظاهر يدخله الناس ولا ينفردان فيه. ولا يكفي وعد أحدهما بحسن النية، أو بقاء طفل صغير لا يفهم ما يجري. وإذا كانت صورة المكان أو الحضور غير واضحة، وصفت لأهل العلم بدل افتراض أن كل مكتب مباح أو أن كل حديث بين رجل وامرأة خلوة.

هل تجوز المصافحة بقفاز أو إذا كان الطرف الآخر كبير السن؟

أفتى ابن باز بمنع مصافحة غير المحارم، بحائل أو بغيره، للشابة والعجوز. فلا يتخذ القفاز أو كبر السن استثناء على هذه الفتوى. وتبقى التحية بالكلام والتقدير وحسن التعامل متاحة دون مصافحة.

هل الاعتذار عن المصافحة والحذر من الخلوة يعدان قطيعة رحم؟

لا يلزم من ترك التصرف الممنوع قطع الصلة. يمكن السؤال والزيارة المنضبطة والتهنئة والمساعدة، مع بيان الحكم برفق. وتفصيل ذلك في صلة الرحم في الإسلام.

ولا تجعل المحرمية مبررا لتجاهل أذى أو تهديد من قريب؛ فمن خيف أذاه اتخذت أسباب السلامة منه وطلبت مساعدة موثوقة. كما لا يبيح النصح التشهير أو العنف أو اتهام النيات؛ فهذه الأحكام تحفظ الحدود والحقوق، ولا تمنح أحدا رخصة في ظلم غيره.