سنن النوم والاستيقاظسنن النوم والاستيقاظ: أعمال يسيرة وهدي نبوي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
يمضي الإنسان جزءا كبيرا من عمره بين نوم واستيقاظ، وقد جاءت السنة بأعمال يسيرة تجعل ختام يوم المسلم وبداية يومه على ذكر وطهارة واتباع. وليس المقصود بقولنا سنن مهجورة أن المسلمين جميعا تركوها، وإنما أن بعض هذه السنن يغفل عنه كثير من الناس أو لا يجمع بينه وبين غيره من الهدي الثابت.
وسنن النوم التعبدية الآتية مستحبة وليست فرائض، فلا يأثم من تركها، ولا ينبغي تحويلها إلى باب للتشديد أو الوسوسة. لكن المحافظة عليها من محبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع هديه.
1الوضوء قبل النوم والاضطجاع على الجانب الأيمن
قال النبي صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب رضي الله عنه:
"إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ".
متفق عليه.
فالوضوء قبل النوم سنة، ويبدأ المسلم نومه على جانبه الأيمن. وليس معنى ذلك تحريم النوم على الجانب الآخر إذا احتاج إليه أو انقلب إليه بعد نومه.
ومن أحدث بعد أن توضأ وقبل أن ينام، فله أن يجدد الوضوء لتحصيل السنة، وليس ذلك واجبا عليه.
2نفض الفراش قبل الاضطجاع
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ".
متفق عليه، وجاء في رواية صحيحة أن ينفضه ثلاث مرات.
ويتحقق المقصود اليوم بنفض الفراش بطرف ثوب أو غطاء ونحوه قبل الاضطجاع. وهذه السنة تجمع بين الاتباع وأخذ أسباب السلامة.
3وضع اليد تحت الخد والدعاء
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم قال:
"اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا".
رواه البخاري.
وثبت أيضا أنه كان يضع يده اليمنى تحت خده ويقول:
"اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ".
رواه أبو داود، وصححه جماعة من أهل العلم.
4قراءة آية الكرسي
ثبت في قصة أبي هريرة رضي الله عنه أن من قرأ آية الكرسي عند نومه قيل له:
"لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ".
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيطان الذي أخبره بذلك: "صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ". رواه البخاري.
ومعنى ذلك أن الله يجعل له حافظا؛ فالله وحده هو الحفيظ، وقراءة آية الكرسي سبب شرعي للحفظ لا يعمل باستقلال عن مشيئته سبحانه.
5قراءة الإخلاص والمعوذتين ومسح الجسد
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما وقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ويفعل ذلك ثلاث مرات. رواه البخاري.
والنفث نفخ لطيف معه شيء يسير من الريق، وليس بصقا.
6قراءة سورة الكافرون
قال النبي صلى الله عليه وسلم لنوفل رضي الله عنه:
"اقْرَأْ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا؛ فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ".
رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
فيقرأ المسلم السورة كاملة عند نومه، مستحضرا ما فيها من إخلاص العبادة لله والبراءة من الشرك، من غير اعتقاد أنها واجبة.
7قراءة آخر آيتين من سورة البقرة في الليل
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ".
متفق عليه.
الحديث متعلق بالليل عموما، فلا يلزم أن تكون قراءتهما عند الاضطجاع تحديدا. وقد تنوعت عبارات أهل العلم في معنى "كفتاه"، فقيل: كفتاه من الآفات أو من الشيطان، وقيل: كفتاه من قيام تلك الليلة. والحديث يدل على فضل عظيم من غير جزم بواحد من هذه المعاني. وقيام الليل نافلة مستقلة، أما الصلوات المفروضة فلا يغني عنها شيء.
8الأدعية الثابتة عند النوم
من أجمع أدعية النوم ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم للبراء رضي الله عنه:
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ".
وأمره أن يجعل هذا الدعاء آخر كلامه، وقال: "فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ". متفق عليه.
ومن الدعاء الثابت أيضا:
"بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ".
متفق عليه.
وللنوم أذكار صحيحة أخرى. ومن أراد جمعها بألفاظها وأدلتها فليراجع مقال أذكار النوم والاستيقاظ مع الأدلة.
9تسبيح فاطمة وعلي رضي الله عنهما
لما طلبت فاطمة رضي الله عنها خادما، أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم هي وعليا رضي الله عنه إلى أن يقولا عند النوم:
- سبحان الله ثلاثا وثلاثين.
- الحمد لله ثلاثا وثلاثين.
- الله أكبر أربعا وثلاثين.
وقال لهما: "فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ". متفق عليه.
وهذا الذكر سنة للرجل والمرأة، وليس خاصا بفاطمة وعلي رضي الله عنهما.
10إغلاق الأبواب وتغطية الأواني وإطفاء ما يخشى ضرره
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الأَبْوَابَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ".
متفق عليه.
فيغلق المسلم أبواب بيته ذاكرا اسم الله، ويغطي أوعيته، ولا يترك نارا أو وسيلة تدفئة أو طهي يخشى ضررها وهو نائم. وهذا من الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، وليس المراد ترك وسائل الإضاءة الكهربائية الآمنة لمجرد أنها تسمى مصابيح.
11البدء بحمد الله
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ قال:
"الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ".
رواه البخاري.
فالنوم وفاة صغرى، والاستيقاظ يذكر المسلم بالبعث والرجوع إلى الله. يبدأ بهذا الذكر قبل أن ينشغل بهاتف أو حديث.
12السواك عند القيام من الليل
عن حذيفة رضي الله عنه قال:
"كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ".
متفق عليه.
ومعنى "يشوص فاه": يدلك فمه وينظفه بالسواك. ويتأكد هذا عند القيام للتهجد وقراءة القرآن والصلاة.
13غسل اليدين قبل غمسهما في إناء الماء
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ".
متفق عليه.
هذا الحكم متعلق بإدخال اليد في إناء الماء قبل غسلها. أما من يستعمل صنبورا ولا يغمس يده في إناء، فلا تنقل إليه صورة النهي نفسها، مع بقاء استحباب غسل الكفين في أول الوضوء.
14الاستنثار عند الوضوء بعد الاستيقاظ
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ".
متفق عليه.
والاستنثار إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه. ونؤمن بخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء من غير تكلف في تكييف مبيت الشيطان على الخيشوم.
ولصفة الوضوء كاملة راجع مقال كيف تتوضأ وضوءا صحيحا.
15الذكر والدعاء والصلاة عند الاستيقاظ في الليل
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ" ثم ذكر التهليل والتحميد والتسبيح والتكبير والحوقلة، وقال: "ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا؛ اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ". رواه البخاري.
وهذه فرصة يغفل عنها كثير من الناس: من انتبه في الليل يبدأ بالتوحيد والذكر، ثم يدعو أو يقوم فيصلي.
وثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام للتهجد مسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ الآيات العشر الخواتيم من سورة آل عمران، وتوضأ وقام يصلي. متفق عليه. وهذا من هديه عند قيامه لصلاة الليل، فلا يجعل قراءة هذه الآيات لازمة بعد كل استيقاظ عادي.
يمكن قراءة صيغة ذكر "من تعار من الليل" كاملة في مقال أذكار الاستيقاظ من النوم، ومعرفة صفة صلاة الليل في مقال قيام الليل والتهجد.
سؤال وجوابهل سنن النوم والاستيقاظ واجبة؟
لا. هي سنن وليست فرائض. والأفضل أن يحافظ المسلم على ما استطاع منها، وأن يبدأ بالقليل الثابت حتى يعتاده، ثم يزيد عليه من غير أن يجعل لنفسه أو لغيره ما لم يوجبه الله.
سؤال وجوابهل يجب ترتيب أذكار النوم على صورة معينة؟
لا يثبت ترتيب لازم لجميع أذكار النوم. يفعل المسلم ما ثبت، ويلتزم العدد في الذكر الذي جاء له عدد، ولا يعتقد أن جمع الأذكار كلها أو ترتيبها على صورة واحدة شرط لتحصيل الأجر.
سؤال وجوابهل يجوز قراءة أذكار النوم من الهاتف؟
نعم، ولا سيما في مرحلة التعلم. والأفضل حفظ الأذكار المتكررة حتى تقال بهدوء وحضور قلب، ثم يوضع الهاتف جانبا حتى لا يتحول إلى سبب للسهر أو تضييع الصلاة.
سؤال وجوابهل تقول الحائض والنفساء أذكار النوم والاستيقاظ؟
نعم، الذكر والدعاء مشروعان للحائض والنفساء. ولهما على القول الراجح قراءة القرآن من الحفظ أو الهاتف، مع عدم مس المصحف الورقي مباشرة حتى الطهر والغسل. وللتفصيل راجع مقال هل يجوز للحائض قراءة القرآن ومس المصحف؟.
سؤال وجوابماذا أفعل إذا نسيت بعض أذكار النوم؟
لا إثم عليك؛ لأنها سنة. لا تجعل النسيان مدخلا للوسوسة، بل ارجع إليها في الليلة التالية، واستعن بورقة قصيرة أو تنبيه هادئ حتى تحفظها.