الغيبة والنميمة: معناهما وحكمهما وكيف تكون التوبة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قد يقول المتكلم: «أنا لا أقول إلا الحقيقة»، ويظن أنه بذلك سلم من الغيبة. وقد ينقل رسالة خاصة ثم يقول: «أردت أن تعرف ما يقال عنك»، فيزيد الخلاف بين شخصين. فصدق الكلام وحده لا يبيح نشره، كما أن نقل كل ما نسمع ليس من النصيحة.
وفي المقابل، لا يصح أن يمنع المظلوم من الشكوى أو طالب الفتوى من بيان واقعه بحجة الغيبة. والفرق بين هذه الصور يظهر بمعرفة معنى الكلام، والحاجة إليه، ومن يقال له، وما يترتب عليه من إصلاح أو أذى.
الفرق بين الغيبة والبهتان والنميمة
الغيبة: ذكر الغائب بما يكره
سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال:
«ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ».
رواه مسلم (2589، من الحديث). ثم بين أنه إن كان فيه ما تقوله فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته. فالقول: «لكنه فعلا يتصف بذلك» ليس عذرا، بل الغيبة تتعلق بعيب موجود يكره صاحبه أن يذكر به من غير مسوغ شرعي.
وقد يكون الكلام عن أخلاقه أو شكله أو عمله أو شؤون بيته. ولا تنحصر الغيبة في الكلام المنطوق؛ فقد تحصل بكتابة أو إشارة أو تقليد يفهم منه المقصود ويكشف عيبه للناس.
البهتان: أن تنسب إليه ما ليس فيه
البهتان افتراء على الإنسان بما ليس فيه، فيجمع بين الكذب والاعتداء على عرضه. وشيوع الاتهام بين الناس لا يثبت صحته، فلا تنسب إلى شخص أمرا لا تعلم ثبوته. وتشتد الجناية إذا تعلقت الاتهامات بالعفة والأعراض.
النميمة: نقل الكلام للإفساد
النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد وإثارة العداوة، كما بين ابن عثيمين رحمه الله. وقد ينقل النمام كلاما صحيحا، لكنه يستعمله لإفساد ما بين الناس.
أما إبلاغ جهة قادرة عن تهديد حقيقي، أو تحذير محتاج إلى النصيحة بقدر الحاجة، فليس كنقل كلام المجالس لإشعال الخصومة. ولا يكفي أن يسمى النقل «نصيحة» حتى يكون مباحا؛ بل ينظر في صدقه وحاجته وطريقته.
حكم الغيبة والنميمة وخطرهما
الغيبة والنميمة محرمتان، وقد عدهما ابن باز رحمه الله من الكبائر. قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12، من الآية].
وجمع السياق بين النهي عن سوء الظن والتجسس والغيبة؛ فلا يجعل الإنسان ظنه خبرا ينشره، ولا يتتبع أسرار الناس ليجد ما يتكلم به. وختمت الآية بفتح باب التوبة، فلا يستمر المخطئ في الذنب يائسا من إصلاح ما مضى.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».
رواه مسلم (105). وهذا وعيد شديد، وليس معناه أن كل من وقع في النميمة خرج من الإسلام أو خلد في النار. وقد بين ابن باز أن عصاة الموحدين إذا ماتوا دون توبة فهم تحت مشيئة الله، وأنهم لا يخلدون في النار إن عذبوا بها. ومن تاب توبة صادقة تاب الله عليه، مع القيام بما يجب في حقوق الناس.
وفي حديث المفلس ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي بطاعات وقد اعتدى على الناس، فيكون القضاء بينهم من حسناته:
«فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ».
رواه مسلم (2581، من الحديث). فالمحافظة على الصلاة والصيام لا تبيح أذى الناس، ولا تجعل حقوقهم أمرا يسيرا. وليس لأحد أن يجزم بمقدار حسنات شخص بعينه أو بمآله في الآخرة.
متى يجوز ذكر ما يكره الشخص ذكره؟
ذكر أهل العلم مواضع يجوز فيها الكلام لحاجة شرعية، لا للتشفي والتسلية. ويقتصر على ما يحقق الغرض، ويقال لمن يحتاج إليه، مع الصدق والعدل. ومن هذه المواضع:
- التظلم: أن يبين المظلوم ما وقع عليه لمن يقدر على إنصافه أو حمايته، كجهة مختصة أو شخص موثوق قادر على المساعدة.
- الاستفتاء: أن يشرح واقعة يحتاج إلى معرفة حكمها، دون كشف أسماء وتفاصيل لا يحتاجها المفتي.
- النصيحة والتحذير من ضرر: كجواب من يستشير في زواج أو معاملة، أو بيان غش ثابت لمن قد يتضرر منه؛ لا بناء الأحكام على إشاعات.
- طلب الإعانة على إزالة منكر: بإخبار من يقدر على معالجته، لا تحويله إلى مادة للتشهير أو الاعتداء.
- ذكر ما يجاهر به الشخص من المعصية في موضعه المشروع، دون تتبع عيوبه المستورة أو التعرض لأهله.
- التعريف عند الحاجة بوصف يعرف به الشخص، إذا لم يمكن تعريفه بما يغني عنه، دون قصد التحقير أو السخرية.
ومن أمثلة الاستفتاء أن هند بنت عتبة رضي الله عنها شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شح أبي سفيان وعدم كفاية النفقة، فأجابها عن حقها. رواه البخاري (5364). فهذا سؤال لرفع حاجة ومعرفة حكم، لا مجلس للانتقاص من الزوج.
والشكوى من أذى الجار لا تسوغ نشر أسرار بيته أو السخرية منه؛ بل يطلب دفع الأذى بالطريق المناسب. ولتفصيل التعامل معه انظر حقوق الجار في الإسلام.
كيف يتوب المسلم من الغيبة والنميمة؟
تبدأ التوبة بترك الذنب، والندم عليه، والعزم الصادق على عدم الرجوع إليه. فلا ينتظر الإنسان أن يصلح علاقاته كلها قبل أن يوقف الكلام المؤذي، ولا يتخذ تعثره السابق عذرا للاستمرار. وتفصيل شروط التوبة في كيف تتوب إلى الله توبة نصوحا.
ولأن الغيبة اعتداء على حق إنسان، يصحب التوبة إصلاح ما يمكن إصلاحه من الأذى. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ».
رواه البخاري (2449، من الحديث). ومن إصلاح ما فعلت أن تحذف المنشور أو التسجيل المؤذي الذي تملكه، وتطلب إزالة النسخ التي تستطيع الوصول إلى أصحابها، وتصحح الكلام الكاذب لدى من وصل إليهم بقدر استطاعتك.
وإذا كان ما قلته صحيحا لكن ذكره كان غيبة، فلا تكذب فتقول إنه لم يحدث؛ بل تبين لمن سمع أن ذكرك له لم يكن بحق، وتذكر من خيره ما تعلم صدقه، ولا تضف ثناء مختلقا. وإن أفسدت بين اثنين بنقل الكلام، فتوقف عن النقل، واسع إلى إزالة ما أحدثته من سوء فهم وأذى دون إشعال الخصومة من جديد.
هل يجب إخبار من اغتبته وطلب مسامحته؟
فصل ابن باز رحمه الله في ذلك: يطلب العفو ممن أساء إلى عرضه إذا أمكن من غير مفسدة، أما إذا خيف أن يؤدي إخباره إلى فتنة وعداوة وشر، أو تعذر الوصول إليه، فيتوب إلى الله، ويدعو له ويستغفر له، ويذكره بالخير الذي يعرفه في المواضع التي ذكره فيها بالسوء.
فمن بلغه الكلام وتأذى به، وتيسر الاعتذار إليه دون شر زائد، يطلب عفوه ويصلح ما أمكنه من الأذى. أما من لم يبلغه، وكان إخباره لا يورث إلا جرحا جديدا وخصومة، فلا يحول الاعتراف إلى أذى آخر. والمقصود تجنب المفسدة، لا الهرب من حرج الاعتذار.
وترك إخباره في هذه الحال لا يبيح بقاء البهتان بين الناس، ولا يسقط مالا أخذته أو حقا ماليا أتلفته. كما لا تختزل التوبة في الدعاء له مع الاستمرار في نشر كلامك عنه. وإذا اجتمعت أضرار أو التزامات يصعب تقديرها، سئل عالم موثوق عن الواقعة دون نشرها على العامة.
كيف يحفظ المسلم لسانه ومجالسه؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
رواه البخاري (6018، من الحديث). وقبل الكلام أو إعادة الإرسال، اسأل نفسك: هل أعلم صحة هذا؟ وهل يحتاج من أمامي إليه؟ وهل أستطيع تحقيق المقصود دون كشف عيب أو سر؟ وإذا لم يظهر خير معتبر في نشره فاتركه.
وفي المجلس يمكن قطع الاسترسال بلطف: «دعونا نترك الحديث عنه»، أو تحويل الكلام إلى ما ينفع. وإن استمر الناس في الغيبة، فلا تشاركهم بالضحك والتعليقات، وأنكر بحسب استطاعتك، وفارق المجلس إذا استطعت. وليس إنكار الغيبة اتهاما للمتكلم في دينه أو نيته.
ومن جاءك بكلام يوقع العداوة فلا تسارع إلى تصديقه أو نشره، ولا تتجسس لتفتش وراء كل كلمة. قد تحتاج إلى التحقق من أمر مؤثر أو حماية حق، لكن ذلك يكون بقدر الحاجة ومن طريق مأمون، لا بتدوير الشائعة في مجموعات جديدة.
أسئلة شائعة عن الغيبة والنميمة والتوبة منهما
هل يكون الكلام غيبة إذا كان صحيحا؟
نعم؛ فالغيبة تتعلق بذكر ما في الشخص مما يكره من غير مسوغ شرعي. أما إن كان الكلام كاذبا فهو بهتان، لا يصبح مباحا لمجرد أنه قيل في غيبته.
هل عدم ذكر الاسم يمنع وقوع الغيبة؟
لا، إذا كان السامعون يعرفون المقصود من الوصف أو القصة. حذف الاسم أو إخفاء صورة الحساب لا يكفي مع بقاء ما يدل عليه. أما وصف حالة لا يعرف صاحبها لغرض صحيح، فلا يحكم عليه كالتشهير بشخص معلوم.
هل يدخل المزاح وتقليد الصوت في الغيبة؟
نعم، إذا فهم منه ذكر شخص غائب بما يكره أو السخرية منه. وقولك «كنت أمزح» لا يزيل أذى العرض، ولا يبيح تقليد مشيته أو صوته أو شكله لإضحاك الناس عليه.
هل نقل الكلام الصحيح يعد نميمة؟
قد يكون كذلك؛ فإذا نقل لإفساد ما بين الناس لم تخرجه صحة الألفاظ من النميمة. أما نقل ما يحتاجه شخص لحماية نفسه من ضرر حقيقي، أو لإصلاح مشروع، فله غرض آخر وضوابطه، وليس رخصة لنقل كل كلمة مزعجة.
هل شكوى أذى الزوج أو القريب من الغيبة؟
يجوز بيان الأذى بصدق لمن يستطيع المساعدة أو الإفتاء أو رفع الظلم، مع الاقتصار على ما يحتاجه. لا يطالب المظلوم بالصمت عن أذاه باسم الستر، ولا تجعل الشكوى إذنا بنشر تفاصيل الأسرة لمن لا شأن له بها. وصلة الأقارب لا تستلزم احتمال كل أذى أو ترك طلب الحق؛ انظر صلة الرحم في الإسلام.
هل كتابة تقييم سلبي أو التحذير من معاملة غيبة؟
قد يدخل في النصيحة المشروعة إذا وصف واقعة معلومة بصدق وبقدر الحاجة، ولم يتحول إلى سب أو مبالغة أو اتهام للنوايا. فرق بين وصف ما حصل لك وبين الجزم بجرائم أو غش لم تثبته، أو نشر خصوصيات لا تتعلق بالمعاملة.
هل تجوز غيبة من يجاهر بالمعصية؟
ذكر أهل العلم جواز ذكر ما جاهر به في موضعه، لا إطلاق اللسان في كل شأنه. فلا تستباح عيوبه المستورة أو أعراض أهله، ولا يتخذ ذنبه مادة للضحك والتشفي. ولفظ «لا غيبة لفاسق» لا يصح حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما نبه ابن باز؛ فلا يحتج به لإباحة الكلام في الناس بلا ضابط.
هل يجب أن أخبر كل من اغتبته بكل ما قلت؟
ليس المطلوب أن تعيد كل عبارة مؤذية على مسامع صاحبها؛ ففي الإخبار وطلب المسامحة التفصيل السابق عن ابن باز. وإذا خشيت أن يزيد الإخبار شرا محققا أو غالبا، فاسأل عالما موثوقا عن حالتك. أما مجرد الحرج من الاعتذار فلا يعفيك من إصلاح ما تستطيع من الأذى.
ماذا أفعل إذا مات الشخص أو لم أعد أعرف كيف أصل إليه؟
تب إلى الله، وادع له واستغفر له، وأصلح ما تستطيع من الكلام الذي نشرته عنه، واذكره بالخير الصادق حيث أسأت إليه. وقد بين ابن باز أن من لا يعرفهم أو لا يمكنه الوصول إليهم لا يكلف بما يتعذر عليه. ولا تؤخر التوبة حتى تتذكر أسماء جميع من مروا بك في حياتك.
ماذا لو اعتذرت ولم يسامحني؟
لا تكرهه على العفو ولا تلمه على تأذيه مما قلت. استمر في التوبة وإصلاح ما أحدثته، ولا تجعل الاعتذار وسيلة لإلزامه بإسقاط حقه. وإذا بقي نزاع أو ضرر يمكن جبره، فاطلب توجيها موثوقا يناسبه، ولا تجزم بأن حقه قد سقط لمجرد اعتذارك.
هل يكفي حذف المنشور المسيء؟
الحذف خطوة لازمة فيما تقدر عليه، لكنه قد لا يكفي وحده إذا انتشر اتهام كاذب أو بقي أثر تعرف كيف تصلحه. صحح المعلومة لدى من بلغتهم، واطلب إزالة ما تستطيع من النسخ. ولا تعد نشر المقطع المؤذي كله بحجة الاعتذار، فتزيد انتشاره من جديد.
ماذا أفعل إذا بدأ غيري بالغيبة في مجلس؟
لا تشارك أو تستدرج المتكلم إلى مزيد. ذكره برفق أو غير الموضوع، وإن لم يستجب فابتعد عن المجلس متى استطعت. وإذا لم تستطع دفع الكلام أو المغادرة، فلا تتعمد الاستماع للانتقاص ولا ترض به، وافعل ما تقدر عليه دون تعريض نفسك لخطر معتبر.
هل يجوز أن أغتاب من اغتابني؟
لا يجعل خطؤه عرضه مباحا لك بلا حدود، ولا يبيح الكذب عليه. لك طلب حقك والشكوى بصدق بالطريق المشروع، أما مقابلة الغيبة بمثلها للتشفي فتفتح بابا آخر من الأذى. والعفو فضل، لكنه لا يمنعك من الحماية أو طلب الإنصاف.
هل الغيبة والنميمة تبطلان الصيام أو الصلاة؟
لا تبطلان الصوم أو الصلاة بمجردهما إذا استوفى العمل شروطه وواجباته، كما بين ابن باز، لكنهما معصيتان تنقصان الإيمان وثواب العبادة. فليس معنى صحة الصوم إباحة إطلاق اللسان، ولا يترك المسلم صلاته بسبب تقصيره.
هل دعاء كفارة المجلس يغني عن التوبة من الغيبة؟
لا؛ فدعاء كفارة المجلس مشروع، لكنه لا يسقط حقوق من اغتيب، كما بين ابن باز. لا بد من ترك الذنب والندم والعزم الصادق على عدم العودة، وإصلاح ما أمكن من الضرر، بما في ذلك تصحيح البهتان وطلب العفو في موضعه.
هل مجرد الخاطر أو حديث النفس يعد غيبة؟
مجرد الخاطر العابر الذي لا تقوله ولا تعمل به ليس غيبة توجب طلب المسامحة، وقد ورد العفو عن حديث النفس في صحيح مسلم (127). فلا تسترسل مع الوسواس في طلب العفو عن كل خاطر، مع الحذر من سوء الظن المحرم واحتقار الناس؛ فالعفو عن الخواطر لا يجعل آفات القلب المتعمدة مباحة.
عدت إلى الغيبة بعد التوبة؛ فهل كانت توبتي كاذبة؟
إذا كنت صادقا حين تبت فلا تجعل الزلة اللاحقة حكما على كل ما سبق. اقطع الذنب وجدد التوبة، وانظر في سببه: مجلس اعتدته، أو حساب تتابعه، أو رسالة تعيد إرسالها بلا تفكير. عالج هذا الباب، وواصل العمل الصالح؛ ولا تجعل كثرة التعثر عذرا لليأس أو الاستمرار.
