مواقيت الصلاة

أوقات النهي عن الصلاة: متى تبدأ وماذا يجوز فيها؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أوقات معينة من اليوم، وليس معنى ذلك أن كل صلاة تمنع فيها. فالفريضة ليست كالنفل، والصلاة التي لها سبب ليست كالتطوع المطلق، كما أن ثلاثة من هذه الأوقات أشد نهيا من غيرها.

ولهذا لا يكفي أن يحفظ المسلم عبارة «وقت نهي»؛ بل يحتاج إلى معرفة بداية الوقت ونهايته، ونوع الصلاة التي دخلت في النهي، وما استثنته الأدلة.

الأحاديث المؤسسة للباب

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ».

متفق عليه.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:

«ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ».

رواه مسلم.

فدلت الأحاديث على وقتين طويلين بعد الفجر والعصر، وعلى ثلاثة أوقات قصيرة يكون النهي فيها أشد.

الحكمة من النهي

المسلم يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم سواء عرف الحكمة كاملة أم لم يعرفها. وقد بينت السنة بعض الحكم؛ ففي حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وذكر أنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. رواه مسلم.

وفي ذلك ابتعاد عن مشابهة عباد الشمس في أوقات عبادتهم، وحماية للتوحيد. وفيه كذلك تربية للمسلم على أن العبادة لا تؤدى بمجرد الرغبة، وإنما على الوجه الذي شرعه الله وفي الوقت الذي شرعه.

أوقات النهي الخمسة

تذكر أوقات النهي خمسة باعتبار تفصيل الوقتين الطويلين وما يتخللهما من الأوقات المضيقة:

١
بعد فريضة الفجر إلى بدء طلوع الشمس: يبدأ بعد أن يصلي المسلم فريضة الفجر، ويستمر إلى أن يبدأ قرص الشمس بالطلوع. فلا يشرع فيه ابتداء نفل مطلق لا سبب له.
أما ما بين طلوع الفجر الصادق وصلاة الفريضة، فالمشروع أن يصلي المسلم سنة الفجر، ولا يشرع له أن يبدأ تطوعا مطلقا. وإذا دخل المسجد وقد صلى السنة في بيته، صلى تحية المسجد؛ لأنها صلاة ذات سبب.
٢
أثناء طلوع الشمس حتى ترتفع: هذا من الأوقات الثلاثة المضيقة. ولا تبدأ صلاة الضحى عند ظهور قرص الشمس في الأفق، بل ينتظر المسلم حتى تكتمل الشمس في الطلوع وترتفع.
وفي التطبيق العملي يكون ذلك عادة بعد وقت الشروق المنشور في التقويم بنحو خمس عشرة إلى عشرين دقيقة، بحسب المكان والفصل ودقة التقويم. وهذه الدقائق تقدير عملي وليست مدة شرعية ثابتة؛ فالعبرة بارتفاع الشمس. وبعد ارتفاعها ينتهي النهي ويبدأ وقت صلاة الضحى.
٣
عند استواء الشمس قبل الظهر: هو وقت قصير قبيل دخول الظهر، حين تكون الشمس في كبد السماء قبل أن تميل إلى جهة الغرب. فإذا زالت دخل وقت الظهر وانتهى النهي.
ولا يمكن ضبطه بعدد واحد من الدقائق في جميع البلاد والفصول. ومن لم يعرف علامته، فالأحوط أن يتوقف عن النفل المطلق في الدقائق القليلة السابقة لوقت الظهر المنشور في التقويم، ثم يصلي إذا دخل الظهر.
٤
بعد فريضة العصر إلى قرب الغروب: من صلى فريضة العصر دخل في وقت النهي، ولو كان الوقت لا يزال مبكرا. ويستمر النهي عن النفل المطلق بعد العصر إلى قرب الغروب.
والعبرة بأداء صلاة العصر، لا بمجرد دخول وقتها؛ فمن لم يصل العصر بعد، فليس داخلا في النهي المتعلق بما بعد الصلاة، مع وجوب المحافظة على الفريضة في وقتها وعدم تأخيرها.
٥
عند تضيف الشمس للغروب حتى تغيب: هذا هو الوقت المضيّق الثالث، ويكون عندما تدنو الشمس من الأفق وتميل إلى الغروب حتى يختفي قرصها كاملا. فإذا غربت الشمس ودخل وقت المغرب انتهى النهي.
ولا يجوز أن يفهم من ذلك جواز تأخير العصر عمدا حتى تصفر الشمس وتدنو من الغروب؛ فقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم من يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر العصر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا. رواه مسلم.

الوقتان الطويلان والأوقات الثلاثة المضيقة

الوقتان الطويلان هما:

  1. ما بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس.
  2. ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.

وداخل هذين الوقتين، ومعهما وقت الزوال، ثلاثة أوقات قصيرة جاء فيها النهي الخاص عن الصلاة على الجنازة وعن الدفن:

  1. أثناء طلوع الشمس حتى ترتفع.
  2. عند استوائها في كبد السماء حتى تزول.
  3. عند تضيفها للغروب حتى تغيب.

ولهذا قد تجوز صلاة لها سبب بعد الفجر أو العصر، ثم تمنع صلاة الجنازة والدفن إذا دخل أحد الأوقات الثلاثة المضيقة. وهذا التفريق يجمع بين النصوص ولا يجعل أحكام جميع أجزاء وقت النهي واحدة.

ما الذي يشمله النهي؟

الأصل: النفل المطلق

الأصل في النهي أنه يتناول النفل المطلق؛ وهو التطوع الذي ينشئه المسلم من غير سبب شرعي خاص ومن غير أن يكون سنة مؤقتة ثبت قضاؤها.

فلا يبدأ المسلم بعد الفجر أو العصر ركعتين لمجرد رغبته في التطوع، ولا يخصص وقت الشروق أو الغروب بصلاة لم يشرعها الله. أما الفرائض وبعض الصلوات المرتبطة بسبب ثابت فلها أحكام أخرى.

ولا يمنع وقت النهي قراءة القرآن، أو الذكر، أو الدعاء، أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. فالنهي هنا عن الصلاة التي تناولتها النصوص، لا عن سائر الطاعات.

الفريضة الحاضرة لا تؤخر

وقت النهي لا يسقط الفريضة الحاضرة ولا يبيح تأخيرها. فمن لم يصل العصر حتى ضاق وقتها وجب عليه أن يصليها قبل الغروب، مع وجوب التوبة إن كان قد أخرها بلا عذر.

«مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ».

متفق عليه.

قضاء الفريضة الفائتة

من نام عن صلاة أو نسيها وجب عليه أن يصليها حين يستيقظ أو يذكرها، ولو كان ذلك عند طلوع الشمس أو بعد العصر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ».

متفق عليه.

فمن استيقظ بعد بدء شروق الشمس لا ينتظر حتى يدخل وقت الضحى، بل يصلي الفجر حين يستيقظ. وتفصيل أحكام الفوائت موجود في مقال ماذا يفعل من فاتته الصلاة؟.

الصلوات ذات الأسباب

اختلف أهل العلم في ذوات الأسباب داخل أوقات النهي، والراجح أن الصلاة التي قام سببها تشرع عند وجود سببها، ومن أمثلتها:

١تحية المسجد لمن دخله وأراد الجلوس.
٢ركعتا الطواف بعد الفراغ منه.
٣ركعتا الوضوء بعد الطهارة.
٤صلاة الكسوف إذا وقع الكسوف في وقت نهي.

وهذا الحكم مقيد بسبب شرعي ثابت؛ فلا يقاس عليه سبب مبتدع أو صلاة لم تثبت في السنة. ويبقى النفل المطلق على أصل النهي.

أحكام صلوات مخصوصة

صلاة الجنازة والدفن

تؤدى صلاة الجنازة في الوقت الطويل بعد الفجر أو بعد العصر عند الحاجة؛ لأنها من ذوات الأسباب، ولا سيما أن السنة تعجيل الجنازة.

لكن إذا بدأ طلوع الشمس، أو استوت في كبد السماء، أو تضيّفت للغروب، أخرت صلاة الجنازة والدفن حتى ينتهي الوقت القصير؛ لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه الصريح في الصلاة والدفن. ويمكن مراجعة صفة صلاة الجنازة وما يقال فيها.

قضاء السنن الرواتب

من فاتته سنة الفجر جاز له أن يقضيها بعد الفريضة، أو يؤخرها حتى ترتفع الشمس، وتأخيرها إلى ما بعد ارتفاع الشمس أفضل إذا لم يخش نسيانها.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى راتبة الظهر البعدية بعد العصر لما شغله عنها وفد عبد القيس. متفق عليه. فهذا قضاء لسنة فات سببها، وليس تطوعا مطلقا بعد العصر، ولا دليلا على اتخاذ ركعتين راتبتين بعد العصر كل يوم.

ولمعرفة الرواتب وأوقات أدائها وقضائها، يراجع مقال السنن الرواتب وصلاة الوتر.

صلاة الاستخارة

إذا أمكن تأخير صلاة الاستخارة إلى خروج وقت النهي فهذا هو المشروع. أما إذا كان الأمر عاجلا ويفوت قبل انتهاء الوقت، فقد أجازها جماعة من أهل العلم؛ لأنها حينئذ صلاة مرتبطة بسبب لا يمكن تأخيره.

ولا يصح أن يجعل ذلك عادة فيصلي الاستخارة في أوقات النهي مع إمكان الانتظار. وتفصيل صفتها ودعائها في مقال دعاء الاستخارة وكيفية صلاتها خطوة بخطوة.

سجود التلاوة وسجود الشكر

سجود التلاوة وسجود الشكر لا يأخذان حكم الصلاة على الراجح، ولذلك يجوز فعلهما في وقت النهي عند وجود سببهما.

أسئلة شائعة
سؤال وجواب

هل أصلي تحية المسجد بعد الفجر أو العصر؟

نعم. إذا دخلت المسجد بعد صلاة الفجر أو العصر وأردت الجلوس، فصل ركعتين خفيفتين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». متفق عليه. فتحية المسجد مرتبطة بالدخول، وليست نفلا مطلقا.

أما بعد طلوع الفجر وقبل الفريضة، فإذا لم تصل سنة الفجر فصلها، وتكفيك عن تحية المسجد؛ فلا حاجة إلى تكرار ركعتين مستقلتين.

سؤال وجواب

هل تصلى ركعتا الوضوء في وقت النهي؟

نعم؛ لأنهما من ذوات الأسباب. لكن لا يقصد الإنسان الوضوء لمجرد التحايل على النهي والصلاة في هذا الوقت.

سؤال وجواب

هل يبدأ النهي بعد أذان العصر أم بعد الصلاة؟

يبدأ النهي الطويل بعد أن يصلي المسلم فريضة العصر، لا بمجرد سماع الأذان. ومع ذلك لا ينبغي أن يؤخر الفريضة ليكثر من النوافل، بل يبادر إلى الصلاة مع الجماعة.

سؤال وجواب

هل يجوز أن أصلي الضحى عند وقت الشروق المنشور؟

لا. وقت الشروق المنشور هو وقت بداية طلوع الشمس، وهو وقت نهي. ينتظر المسلم حتى ترتفع الشمس قيد رمح، ويقدر ذلك عادة بنحو خمس عشرة إلى عشرين دقيقة بعد الشروق مع مراعاة اختلاف التقويم والمكان.

سؤال وجواب

استيقظت أثناء الشروق وقد فاتتني الفجر، ماذا أفعل؟

تبدأ بالصلاة ولا تؤخر الفريضة حتى ترتفع الشمس؛ لأن قضاء الفرض واجب عند الاستيقاظ. وله أن يصلي سنة الفجر ثم الفريضة كما ثبت في قضاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صلاة الفجر في السفر. وإن صلى الفريضة ثم قضى السنة بعدها أو بعد ارتفاع الشمس جاز، ولا يطيل بما يؤخر أداء الفرض.

سؤال وجواب

هل يجوز الدفن بعد الفجر أو العصر؟

يجوز الدفن في الوقت الطويل بعد الفجر أو العصر. ويوقف الدفن في الأوقات الثلاثة القصيرة: أثناء طلوع الشمس، وعند استوائها قبل الظهر، وعند تضيفها للغروب؛ ثم يستأنف بعد زوال وقت النهي.

سؤال وجواب

هل يشمل وقت الزوال يوم الجمعة؟

الراجح أن من بكر إلى المسجد يوم الجمعة له أن يتنفل حتى يخرج الإمام؛ ففي حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج الإمام. رواه البخاري. ولم يأمره بالتوقف وقت الزوال. وهذا استثناء متعلق بالتنفل قبل خطبة الجمعة، وليس إذنا بتخصيص الزوال بصلاة معينة. وإذا دخل المسلم والإمام يخطب، صلى تحية المسجد ركعتين خفيفتين ثم جلس وأنصت.

سؤال وجواب

هل يمنع الذكر والدعاء في أوقات النهي؟

لا. يشرع الذكر وقراءة القرآن والدعاء في هذه الأوقات. وبعد الفجر خاصة جاءت السنة بالمكث في المصلى والذكر حتى تطلع الشمس. المنهي عنه هو الصلاة التي يشملها النهي، لا أبواب الذكر كلها.

مقالات ذات صلة
الخلاصة
قاعدة عملية

لا تمنع كل صلاة ولا تبح كل صلاة

أكثر الخطأ في هذا الباب يأتي من طرفين: فمن الناس من يصلي الضحى في اللحظة المكتوب عندها «الشروق»، مع أن ذلك هو بدء وقت النهي المضيّق. ومنهم من يمنع كل صلاة بعد الفجر أو العصر، فيؤخر الفريضة الفائتة أو يترك الصلاة ذات السبب. وكلا الفهمين غير صحيح.

فإذا فرغت من الفجر أو العصر، فلا تبدأ نفلا مطلقا. وإذا أردت صلاة الضحى، فانتظر حتى ترتفع الشمس. وتوقف عن التطوع المطلق عند الزوال وقبيل الغروب. أما الفريضة التي فاتت بنوم أو نسيان فصلها حين تذكرها، والصلاة التي لها سبب ثابت فافعلها في موضعها على التفصيل السابق.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.