تصفح الدليل

صيام الحامل والمرضع: متى يجوز الفطر وما الواجب بعده؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قد تستطيع امرأة الصيام في حملها الأول، ثم يشق عليها في حمل آخر. وقد تصوم المرضع بعض الأيام، ثم تحتاج إلى الفطر خوفا على صحتها أو على رضيعها. وبعد رمضان يكثر السؤال: هل أقضي، أم أطعم، وماذا لو جاء رمضان التالي وأنا لم أستطع القضاء؟

رخصت الشريعة للحامل والمرضع في الفطر عند المشقة المعتبرة أو الخوف من الضرر. والقول الذي نعتمده هنا، وهو اختيار الشيخ ابن باز رحمه الله، أن من أفطرت لهذا العذر تقضي عندما تستطيع، ولا يلزمها الإطعام لمجرد الحمل أو الرضاعة. ولأهل العلم تفصيل وخلاف في الإطعام، سيأتي بيانه دون خلط بين الرخصة وبين سقوط الواجب نهائيا.

أصل الرخصة في القرآن والسنة

قال الله تعالى:

{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185، من الآية].

وعن أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ نِصْفَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمَ وَعَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ».

رواه النسائي (2274)، وروى أصل الحديث الترمذي (715) وقال: حديث حسن. وأنس راوي هذا الحديث هو الكعبي، لا أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم.

فالحديث يثبت رخصة الفطر للحامل والمرضع. وقد ألحقهما ابن باز بالمريض والمسافر في وجوب القضاء عند القدرة؛ أما قصر الصلاة المذكور في الحديث فخاص بالسفر، وليس الحمل أو الرضاعة سببا لقصر الصلاة.

ولمراجعة أصل وجوب الصيام وشروطه ونيته، اقرئي أحكام الصيام للمبتدئين.

متى يجوز للحامل أو المرضع أن تفطر؟

إذا قدرت على الصيام من غير ضرر ولا مشقة غير معتادة، ولم يكن لها عذر آخر، وجب عليها الصوم. والعبرة بأثر الصيام على حالها وحال ولدها، لا بمجرد كونها حاملا أو مرضعا.

ويجوز لها الفطر عند المشقة المعتبرة أو الخوف المعتبر من ضرر عليها أو على جنينها أو رضيعها. ويقدر ذلك بتجربة واضحة، أو علامات ظاهرة، أو تقييم طبي موثوق؛ فلا يلزم انتظار وقوع الضرر بالفعل.

أما ما يعتاد من التعب والجوع والعطش، فلا يكفي وحده عذرا لكل أحد. لكن ما يكون عاديا عند امرأة قد يكون علامة على مشكلة عند أخرى، فلا تقاس حالتك على امرأة استطاعت الصيام طوال حملها أو رضاعتها.

متى يجب الفطر؟

إذا غلب على الظن أن الاستمرار في الصيام يعرض الأم أو ولدها للهلاك أو لضرر بالغ، وجب الفطر لدفع هذا الضرر. وليس تحمل الخطر في هذه الحال زيادة في التقوى.

ناقشي الصيام مع الطبيبة المختصة أو القابلة المؤهلة التي تعرف حالتك، ولا سيما إن كانت لديك مشكلة صحية أو قلق على الحمل أو تغذية الرضيع. ويستفاد من التقييم الطبي في معرفة الضرر، ومن العالم الموثوق في تنزيل الحكم الشرعي على الحالة. وإذا احتجت إلى رعاية عاجلة، فلا تؤخريها انتظارا للمغرب أو لجواب على الإنترنت.

والأخذ بالرخصة الشرعية حين يوجد سببها ليس نقصا في الإيمان.

بعد الفطر: القضاء أم الإطعام؟

على القول المختار هنا، تقضي المرأة يوما عن كل يوم أفطرته للعذر، عندما تستطيع، ولا يلزمها إطعام مع القضاء لمجرد هذا الفطر. وهذا ما أفتى به ابن باز رحمه الله، سواء كان الخوف على نفسها أو على ولدها؛ لأن عذرها في معنى المرض الذي يرجى زواله.

فمن أفطرت عشرة أيام بسبب مشقة الحمل تقضي عشرة أيام عند القدرة. ولا تلزمها كفارة صيام شهرين متتابعين لمجرد فطرها المشروع، ولا يتحول القضاء إلى مبلغ تدفعه اختيارا وهي قادرة عليه.

لماذا تسمع المرأة أجوبة مختلفة؟

اختلف أهل العلم فيما يلزم الحامل والمرضع بعد الفطر. فمنهم من أوجب القضاء وحده. ومنهم من أوجب مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم إذا كان الخوف على الولد وحده، وهو قول معروف عند الشافعية والحنابلة. وورد عن بعض السلف، ومنهم ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، القول بالإطعام دون القضاء في هذه المسألة.

والقضاء دون إطعام هو اختيار ابن باز الذي نعتمده هنا، وليس محل إجماع. ومن سبق أن عملت بفتوى أخرى، أو اختلفت تفاصيل حالتها، تسأل عالما موثوقا، وتبين ما عملت به والفترات التي قدرت فيها على الصيام.

ومعنى الإطعام بذل الطعام للمسكين، وليس كل تبرع مالي فدية صحيحة. وتفصيل القضاء والإطعام والكفارة في قضاء صيام رمضان والفدية والكفارة: أهم الأحكام.

إذا استمر الحمل أو الرضاع إلى رمضان التالي

من استمر عذرها، فلم تتمكن من القضاء حتى دخل رمضان آخر، فلا إثم عليها بسبب هذا التأخير المعذور، ولا يلزمها إطعام بسببه على ما أفتى به ابن باز رحمه الله. وتبقى الأيام في ذمتها حتى تقدر على قضائها.

وقد يتتابع حمل ثم رضاع ثم حمل آخر. لا يلزمها أن تصوم مع الضرر لتمنع تراكم الأيام، لكن مرور السنوات لا يسقط القضاء ولا يجعلها تلقائيا في حكم العاجز عجزا دائما. ومتى تيسر لها الصيام دون عذر يمنعه، قضت ما تستطيع، ولو متفرقا. وقد نص ابن باز على القضاء حسب الطاقة في مثل هذه الحال.

وإذا دخل رمضان الجديد وكانت قادرة على صيامه، صامت رمضان الحاضر، ثم عادت إلى قضاء ما بقي من الأعوام السابقة. أما إن بقي عذر يبيح الفطر، فله حكمه.

إذا أمكن القضاء ثم أخرته بلا عذر

من قدرت على القضاء في وقته ثم فرطت حتى جاء رمضان التالي، فعليها التوبة وقضاء الأيام. وأفتى ابن باز بإطعام مسكين عن كل يوم مع القضاء في هذه الصورة، ووجوب هذا الإطعام محل خلاف بين أهل العلم. وهذا الإطعام في فتواه بسبب التأخير مع القدرة، لا لمجرد الحمل أو الرضاعة.

هل يمكن أن تصبح الفدية هي الواجب؟

العجز عن الصيام الذي لا يرجى زواله، كمرض يجعل الصيام متعذرا على الدوام بحسب التقييم الطبي الموثوق، له حكم آخر: يطعم صاحبه مسكينا عن كل يوم، كما بين أهل العلم. لكن وصف المرأة بأنها حامل أو مرضع، أو كثرة ما عليها من أيام، لا يكفي وحده للحكم بهذا العجز الدائم.

إذا طرأ مرض مستمر، فاسألي عن حالتك وما ترتب عليك من أيام مع بيان التقرير الطبي. ولا يحكم على كل مرض يقال عنه «مزمن» بأن صاحبه لا يستطيع الصيام في أي وقت؛ فقد يقدر على القضاء في فترة أخرى.

كيف تقضي الأيام دون أن تتكلف ما يضرها؟

تقضي بعد زوال العذر بحسب استطاعتها، ولا يشترط أن تكون الأيام متتابعة. يمكن أن تصوم يوما وتفطر أياما، أو تختار أياما أقصر، ما دامت تتم الواجب في وقته إذا كانت قادرة. ولا يجب انتظار الفطام إن قدرت على القضاء أثناء الرضاعة بلا ضرر ولا مشقة معتبرة.

قالت عائشة رضي الله عنها:

«كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ».

رواه البخاري (1950). ففيه سعة وقت القضاء قبل رمضان التالي، لا إباحة تأخيره بلا عذر إلى ما بعده.

وقضاء رمضان صيام واجب، فتنعقد نيته في القلب قبل طلوع الفجر، من غير صيغة تتلفظ بها. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ».

رواه أبو داود (2454)، وصححه الألباني. ويطبق هذا هنا على الصيام الواجب.

ومن بدأت صوم القضاء لزمها إتمامه، فلا تقطعه لمجرد رغبتها في تأجيله. لكن إن طرأ عليها مرض أو عذر معتبر يبيح الفطر، جاز لها أن تفطر، كما بين ابن باز رحمه الله، ثم تؤدي اليوم عندما تستطيع. فكون القضاء واجبا لا يلزمها بالاستمرار مع الضرر البالغ.

ولا يصح قضاء رمضان في يومي العيد أو في أيام التشريق؛ فالاستثناء الوارد في أيام التشريق يتعلق بصيام النسك لمن لم يجد الهدي، لا بقضاء رمضان. رواه البخاري (1991، 1997).

أسئلة شائعة عن صيام الحامل والمرضع

أنا في أول الحمل وأشعر أنني بخير، هل أفطر لمجرد الحمل؟

على الحكم المعتمد هنا، إذا كنت قادرة على الصيام من غير ضرر ولا مشقة معتبرة، ولم يكن لك عذر آخر، فعليك الصوم. لا توجد قاعدة تجعل الشهور الأولى وحدها مانعة من الصيام، ولا تجعل الشهور الأخيرة آمنة لكل امرأة؛ يقدر الأمر بحسب حالتك.

هل يجب أن أجرب الصيام أولا رغم تحذير الطبيبة من الضرر؟

لا يلزم تعريض نفسك أو طفلك للضرر لإثبات حاجتك إلى الرخصة. إذا كان التحذير مبنيا على تقييم طبي موثوق وخوف معتبر، فاعملي بالرخصة بحسب حالتك.

بدأت اليوم صائمة ثم اشتد علي التعب، هل يجوز أن أفطر؟

نعم، إذا وجدت المشقة المعتبرة أو الخوف من الضرر أثناء النهار، جاز الفطر ولو بدأت صائمة، سواء كان اليوم من رمضان أم من قضائه. وإذا أصبح الاستمرار خطرا بالغا وجب الفطر. ثم تؤدين ذلك اليوم عندما تستطيعين، ولا يلزم انتظار الغروب مع هذا الضرر.

هل إرضاع الطفل نفسه يفسد الصيام؟

لا، الرضاعة نفسها لا تفسد الصوم. وإذا شق عليك الصيام مشقة معتبرة، أو خشيت ضررا عليك أو على رضيعك، فلك الفطر لهذا العذر.

أتقيأ بسبب الحمل من غير قصد، هل يبطل صومي؟

القيء الذي يغلبك بغير تعمد لا يبطل الصوم، ولا يلزم القضاء بسببه وحده؛ كما في حديث أبي داود (2380)، وصححه الألباني. أما إذا احتجت بعده إلى الشرب أو العلاج لعذر معتبر فأفطرت، فتقضين اليوم لهذا الفطر. ولا يلزمك تحمل مرض يضرك لتبقي صائمة. ولتفصيل المفطرات اقرئي ما الذي يفطر الصائم وما الذي لا يفطره؟.

طفلي يأكل طعاما آخر مع الرضاعة، هل تسقط رخصتي؟

لا يكفي ذلك وحده للحكم بالصيام أو الفطر. ينظر إلى حاجته للرضاعة، وقدرتك على الصوم، وما يخشى من ضرر عليك أو عليه. إن زالت المشقة والخشية المعتبرتان ولم يوجد عذر آخر، عاد أصل وجوب الصيام. ولا تستنتجي من هذه القاعدة وجوب تغيير تغذية الطفل أو فطامه من غير مشورة مناسبة.

هل أنتظر حتى أفطم طفلي لأبدأ القضاء؟

ليس الفطام شرطا للقضاء. إذا استطعت الصيام أثناء الرضاعة بلا ضرر ولا مشقة معتبرة فقضي، ولو على أيام متفرقة. وإذا بقي العذر فلك التأخير إلى القدرة، ولا تلزمك الفدية لمجرد استمرار هذا العذر على القول المختار.

هل يجوز أن أقضي في الشتاء حين تكون الأيام أقصر؟

نعم، لا يلزم أن يساوي يوم القضاء طول اليوم الذي فاتك. لكن لا تؤخري القضاء إلى ما بعد رمضان التالي بلا عذر، ولا تفترضي أن قصر اليوم يغني عن تقييم حالتك الصحية.

ولدت في رمضان وما زال دم النفاس موجودا، هل أصوم إن شعرت بالقوة؟

لا يصح الصيام حال النفاس ولو شعرت المرأة بالقوة، وتقضي أيام رمضان التي أفطرتها فيه. وقد بينت عائشة رضي الله عنها أن النساء كن يؤمرن بقضاء الصوم دون الصلاة، كما في مسلم (335)، والنفساء في حكم الحائض في ذلك. فإذا تحقق الطهر قبل الفجر صامت إن قدرت ولم يكن لها عذر آخر؛ فقد ينتهي النفاس ويبقى عذر الرضاعة أو المرض. وتفصيل ذلك في أحكام النفاس باختصار.

تراكمت علي أيام ولا أتذكر عددها، ماذا أفعل؟

راجعي ما تستطيعين من التواريخ والسجلات، ثم اعملي بغلبة الظن المبنية على التحري، لا بعدد تختارينه اعتباطا. وقد أفتى ابن باز من أفطرت بسبب الولادة ولم تعرف العدد أن تقضي ما يغلب على ظنها، متتابعا أو متفرقا. سجلي ما تقضينه بعد ذلك حتى ينضبط الباقي، ولا تعيدي الحساب بسبب كل شك طارئ.

سبق أن أطعمت بدل القضاء اعتمادا على فتوى، هل يلزمني القضاء الآن؟

القول الذي نعتمده هنا لا يجعل الإطعام وحده مسقطا للقضاء في عذر الحمل والرضاعة. لكن إن سبق أن عملت بفتوى، فاعرضي تفاصيلها وما فعلته على عالم موثوق، مع بيان قدرتك على الصيام وأسباب التأخير؛ فحكم ما مضى يحتاج إلى معرفة حالتك والفتوى التي اتبعتها.

احفظي عدد الأيام وخذي بالرخصة في موضعها

دوّني أيام كل رمضان وما قضيت منها، واجعلي القضاء على قدر استطاعتك حين يزول العذر. لا تحملي نفسك ما يضر بك أو بطفلك، ولا تدعي الأيام تضيع مع القدرة على أدائها. فالرخصة رحمة، والقضاء عبادة تؤدى حين تتيسر القدرة عليه.

نسأل الله أن يحفظ الأمهات وأطفالهن، وأن يعيننا على عبادته على بصيرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.