تصفح الدليل

صيام المريض والمسافر: متى يجوز الفطر ومتى يجب القضاء؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قد يدخل رمضان على مريض يحتاج إلى دوائه في النهار، أو على مسافر لا يجد في رحلته مشقة ظاهرة. ويسأل كل منهما: هل يجوز لي الفطر؟ وهل أقضي الأيام التي فاتتني، أم أطعم عنها؟

أباح الله الفطر للمريض والمسافر، لكن سبب الرخصة وما يلزم بعدها يحتاجان إلى بيان. فالمرض اليسير ليس كالمرض الذي يضر معه الصيام، والعجز الذي يرجى زواله ليس كالعجز المستمر. أما السفر المعتبر شرعا، فلا تتوقف رخصته على أن تكون الرحلة مرهقة. وفي هذا المقال بيان هذه الأحكام، مع أجوبة عن الحالات التي تتكرر عند المرض والسفر.

رخصة الفطر في القرآن

قال الله تعالى:

{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185، من الآية].

فمن أفطر لمرض يرجى زواله، أو لسفر معتبر، صام بعد رمضان عدد الأيام التي أفطرها. وليس في الأخذ بالرخصة الشرعية إثم، ولا يلزم أن يحمّل المسلم نفسه ضررا ليثبت حرصه على العبادة.

ولمعرفة شروط الصيام والنية وأصل وجوبه اقرأ أحكام الصيام للمبتدئين.

متى يجوز للمريض أن يفطر؟

ينظر إلى أثر الصيام على المريض، لا إلى اسم المرض وحده. ويجوز له الفطر إذا كان الصوم يشق عليه مشقة معتبرة، أو يغلب على ظنه أنه يزيد مرضه، أو يؤخر شفاءه، أو كان يحتاج إلى علاج لا يمكن تأخيره إلى الليل ويستلزم الفطر.

وقد بين الشيخ ابن باز رحمه الله أن المريض الذي يشق عليه الصوم، أو يحتاج إلى أدوية يتناولها في النهار، له الفطر ثم القضاء إذا شفي.

أما المرض اليسير الذي لا يزيده الصوم ولا يشق معه مشقة معتبرة، فلا يبيح الفطر لمجرد وجوده. والجوع والعطش المعتادان في الصيام ليسا وحدهما عذرا؛ لكنهما قد يصيران خطرا في حال معينة، فلا يسوى بين التعب المعتاد والضرر الحقيقي.

متى يجب الفطر؟

إذا غلب على ظن المريض أن الصيام يعرضه للهلاك أو لضرر بالغ، وجب عليه الفطر؛ وقد بين ابن باز رحمه الله وجوبه في هذه الحال. فليس الإصرار على الصوم مع هذا الضرر فضيلة.

ولا يحتاج الإنسان إلى أن يبلغ مرحلة الانهيار حتى يعمل بالرخصة. فإذا ظهرت أمارات الخطر، أو قرر الطبيب المختص الثقة أن الصيام يهدد سلامته، فلا يؤخر العلاج اللازم انتظارا للمغرب، ويطلب الرعاية الطبية العاجلة عند الحاجة.

كيف يعرف المريض أن الصيام يضره؟

قد يعرف ذلك من تجربة سابقة واضحة، أو من أعراض ظاهرة، أو من تقييم طبي موثوق. ولا يبنى الحكم على وهم عابر، كما لا يرفض تقرير الطبيب لمجرد أن المريض استطاع الصيام في سنة سابقة؛ فقد تتغير حالته أو أدويته.

إذا كنت تتناول علاجا منتظما، فناقش الصيام مع طبيبك أو الصيدلي قبل رمضان. لا توقف الدواء، ولا تجمع الجرعات، ولا تغير مواعيدها بنفسك. يقدر الطبيب أثر الصيام والعلاج على صحتك، ويساعدك العالم الموثوق على معرفة ما يلزمك شرعا إذا التبست الحالة.

المرض المؤقت والعجز المستمر: القضاء أم الفدية؟

مرض يرجى زواله

من أفطر لمرض يتوقع معه أن يقدر على الصيام بعد العلاج أو التعافي، فعليه القضاء حين يستطيع. وقد يمتد العذر أشهرا أو سنوات؛ فطول المرض أو مشقة القضاء حاليا لا يجعلان الإطعام بديلا عنه ما دام العجز يرجى زواله.

فمن أفطر خمسة أيام بسبب مرض مؤقت، يقضي خمسة أيام بعد تعافيه. ولا تلزمه كفارة صيام شهرين، ولا فدية لمجرد هذا الفطر المشروع.

إذا زال عذر المرض قبل الفجر وأصبح المريض قادرا على الصيام دون ضرر أو مشقة معتبرة، وجب عليه صيام ذلك اليوم ما لم يكن له عذر آخر. ويصوم ما بقي من رمضان ما دام قادرا، ثم يقضي الأيام السابقة بعد الشهر؛ فالرخصة تتعلق ببقاء العذر، لا بمجرد أنه أفطر أول الشهر.

عجز عن الصيام لا يرجى زواله

من عجز عن الصيام عجزا مستمرا لا يرجى زواله، لكبر سن أو مرض بحسب التقييم الموثوق لحالته، فإنه يطعم مسكينا عن كل يوم، ولا قضاء عليه ما دام هذا العجز مستمرا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير آية الفدية:

«هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَلْيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا».

رواه البخاري (4505، من قول ابن عباس). وألحق أهل العلم بهما المريض الذي لا يرجى زوال عجزه عن الصيام.

وليس كل مرض يوصف بأنه «مزمن» موجبا للفدية؛ فقد يكون صاحبه قادرا على الصيام بأمان، أو قادرا على القضاء في فترة أخرى. وكذلك ليست الفدية خيارا يشتري به القادر إعفاء من الصيام.

ومن تقديرات الإطعام التي أفتى بها ابن باز رحمه الله نصف صاع من قوت البلد عن كل يوم، وقدره بنحو كيلو ونصف من الطعام. والصاع مكيال، فتحويله إلى وزن تقريبي يتأثر بنوع الطعام؛ وليس الكيلو ونصف وزنا منصوصا عليه في الشرع. ويمكن توكيل جهة موثوقة لشراء الطعام وإيصاله إلى مستحقيه. وتفصيل الإطعام وتأخير القضاء في مقال قضاء صيام رمضان والفدية والكفارة.

متى يجوز للمسافر أن يفطر؟

للمسافر في السفر المباح الذي تثبت له أحكام السفر أن يفطر، ثم يقضي. ولا يشترط أن يشعر بمشقة؛ فالركوب في طائرة مريحة أو سيارة مكيفة لا يزيل رخصة السفر.

سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر، فقال:

«إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ».

رواه مسلم (1121).

من استطاع الصيام دون ضرر فصومه صحيح؛ فقد صام النبي صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر فيه. فلا ينكر على من أخذ بالرخصة، ولا يجعل صيام المسافر المطيق معصية.

أما إن شق عليه الصوم مشقة شديدة، فالفطر أولى، وإن خشي الهلاك أو الضرر البالغ وجب عليه الفطر. قال النبي صلى الله عليه وسلم، حين رأى في السفر رجلا قد اجتمع الناس حوله وظللوا عليه بسبب حاله مع الصيام:

«لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ».

رواه البخاري (1946). ويفهم الحديث مع سائر أحاديث الباب؛ فلا يحمل على تحريم الصوم على كل مسافر، وإنما يبين أن تكلفه مع هذه المشقة ليس من البر.

لا تبدأ الرخصة بمجرد نية السفر

من كان مقيما لا يفطر لمجرد حجز تذكرة أو تجهيز حقيبة. تبدأ رخصة السفر بعد الخروج من عمران البلد المتصل به، على القول الذي يفتي به ابن باز رحمه الله. فإن كان المطار داخل عمران بلدك، فمجرد الوصول إليه لا يجعلك مسافرا بهذا الاعتبار.

ويقدر كثير من الفقهاء مسافة السفر بنحو ثمانين كيلومترا، بينما يرجع بعض أهل العلم في تحديد السفر إلى العرف. فهذا تقدير فقهي تقريبي، لا مسافة وردت في حديث بالكيلومترات. وليس كل انتقال داخل المدينة سفرا تترتب عليه الرخصة.

ولشرح المسافة ومدة الإقامة وأحكام القصر والجمع اقرأ أحكام الصلاة في السفر.

هل يجوز الفطر بعد البدء بالصيام؟

نعم، إذا وجد العذر المعتبر أثناء اليوم. فمن أصبح صحيحا ثم مرض مرضا يبيح الفطر، جاز له أن يفطر ويقضي اليوم. ومن بدأ يومه صائما ثم خرج في سفر معتبر، فله الفطر بعد أن تتحقق فيه صفة المسافر، لا قبل خروجه من البلد.

وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائما، ثم أفطر في أثناء السفر. رواه مسلم (1113). فالبدء بالصيام لا يسقط رخصة المرض أو السفر إذا وجد سببها.

ومن احتاج إلى دواء أو إجراء طبي، فلا يحكم بأن كل علاج مفطر؛ فالعلاجات تختلف. ويجد بيان أهم الصور في ما الذي يفطر الصائم وما الذي لا يفطره؟. أما العلاج الضروري، فلا يؤخره حتى يحسم بنفسه خلافا فقهيا.

كيف يقضي المريض والمسافر الأيام التي أفطراها؟

بعد زوال العذر، يقضي كل منهما يوما مكان كل يوم فاته. لا يشترط أن تكون الأيام متتابعة؛ فيمكن أن يصومها مجتمعة أو متفرقة بحسب قدرته، مع الحرص على إتمامها وعدم التساهل فيها.

قالت عائشة رضي الله عنها:

«كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ».

رواه البخاري (1950).

فوقت القضاء واسع قبل رمضان التالي، والمبادرة أيسر لحفظ العدد وإبراء الذمة. ولا يؤخره القادر حتى يدخل رمضان آخر بلا عذر. أما من استمر عذره، فلا إثم عليه ولا إطعام بسبب هذا التأخير، ويقضي حين يقدر. وإن تبين أن عجزه عن الصيام مستمر لا يرجى زواله، فينظر في حكم الفدية بحسب حاله.

وقضاء رمضان صيام واجب، فتنوى أيامه قبل طلوع الفجر. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ».

رواه أبو داود (2454)، وصححه الألباني. والنية محلها القلب؛ يكفي أن يعزم على صيام الغد قضاء، ولا يحتاج إلى صيغة ينطق بها.

اكتب عدد الأيام التي أفطرتها، وكلما قضيت يوما سجل ذلك. ولا يصح القضاء في يومي العيد، ولا في أيام التشريق؛ فالاستثناء الوارد في أيام التشريق يتعلق بصيام النسك لمن لم يجد الهدي، لا بقضاء رمضان. والنهي عن صيام يومي العيد، والاستثناء في أيام التشريق، ثابتان في البخاري (1991، 1997).

أسئلة شائعة عن صيام المريض والمسافر

هل الصداع الخفيف أو الزكام يبيح الفطر؟

لا يكفي اسم العرض وحده. إن كان يسيرا لا يضر معه الصيام ولا يشق مشقة معتبرة، وجب إتمام الصوم. أما إذا اشتدت الحالة، أو ظهر ضرر معتبر، أو احتجت إلى علاج نهاري لا يمكن تأخيره، فالحكم يتبع حالتك الفعلية.

أحتاج إلى حبوب في النهار، فهل أتركها حتى المغرب؟

لا تغير العلاج من نفسك. اسأل الطبيب أو الصيدلي هل يمكن تنظيمه بأمان خارج ساعات الصيام. إن لم يمكن تأخيره وكان تناوله ضروريا، فلك رخصة المرض، ثم تقضي إذا قدرت. وإذا كان تركه يعرضك لضرر بالغ، فلا يجوز تعريض نفسك لذلك.

هل يجب أن يكون الطبيب الذي يقدر ضرر الصيام مسلما؟

يمكن الاستفادة من تقييم الطبيب المختص الثقة ولو لم يكن مسلما؛ فهو يبين أثر الصيام على المرض والعلاج. وقد أقر ابن باز رحمه الله رخصة مريض أرشده أطباؤه إلى الفطر، وكان فيهم طبيب غير مسلم. أما الحكم الشرعي وما يلزم بعد الفطر، فيرجع فيه عند الاشتباه إلى أهل العلم.

بدأت اليوم صائما ثم اشتد مرضي، هل أنتظر الغروب؟

إذا أصبح مرضك مما يبيح الفطر، فلا يلزمك انتظار الغروب، وتقضي اليوم بعد التعافي. وإن صار الاستمرار خطرا عليك، وجب الفطر وأخذ العلاج اللازم، ولو بقي على المغرب وقت قصير.

سأغادر بعد الفجر، هل أفطر من الصباح قبل السفر؟

ما دمت في بلدك فلا تبدأ برخصة لم يتحقق سببها. تنوي الصيام قبل الفجر وتمسك، فإذا خرجت من عمران البلد في سفر معتبر جاز لك الفطر على القول المعتمد هنا، ولو بدأت اليوم صائما.

هل يجوز الفطر وأنا في المطار قبل إقلاع الطائرة؟

العبرة بخروجك من عمران بلدك، لا بدخول صالة المغادرة أو ختم الجواز. فإن كان المطار خارج العمران وخرجت إليه بالفعل في سفر معتبر، بدأت الرخصة. وإن كان داخله، لم تبدأ بعد بهذا الاعتبار.

سأسافر إلى مدينة وأقيم فيها أسبوعا، هل أفطر طوال الأسبوع؟

على القول الذي يفتي به ابن باز رحمه الله، من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام صار له حكم المقيم عند وصوله، فيصوم ولا يستمر في رخصة الفطر لأجل السفر. ولأهل العلم أقوال أخرى في مدة الإقامة التي تقطع حكم السفر. أما انتظار حاجة لا تعلم متى تنتهي، من غير نية إقامة محددة، فليس هو نفس صورة الإقامة المخطط لها؛ اسأل عن تفاصيل وضعك.

أفطرت في السفر ثم رجعت إلى بيتي نهارا، ماذا أفعل؟

يلزمك قضاء ذلك اليوم. واختار ابن باز رحمه الله أن تمسك بقية اليوم بعد الرجوع، وهذه مسألة اختلف فيها أهل العلم. ولا يجعل الإمساك بقية اليوم صوما كاملا يسقط القضاء. أما إن رجعت وأنت لم تفطر، فأتم صومك، ولا تفطر بعد الرجوع اعتمادا على السفر الذي انتهى. فإن بقي لك عذر آخر، كمرض يبيح الفطر، فله حكمه ولو كنت مقيما.

أسافر باستمرار بسبب عملي، فهل تبقى لي رخصة الفطر؟

نعم، ما دامت رحلاتك سفرا معتبرا وتحققت فيك أحكام المسافر؛ فتكرار السفر لا يلغي الرخصة. لكن الأيام التي تفطرها تبقى واجبة القضاء، ولا تتحول إلى إطعام لمجرد كثرة الرحلات. وقد بين ابن باز رحمه الله أن السائق كثير السفر له الرخصة، مع وجوب الصوم عند الرجوع إلى بلده أو الإقامة التي تقطع حكم السفر.

هل يجوز القضاء في الشتاء أو في أيام أقصر؟

نعم، لا يلزم أن يكون يوم القضاء بطول اليوم الذي فاتك. اختر أياما تستطيع صيامها ضمن الوقت المشروع، وأتم العدد قبل رمضان التالي إذا كنت قادرا. لا تؤخره إلى أن يضيق الوقت، ولا تستبدله بالمال مع القدرة على الصيام.

أخرت القضاء بلا عذر حتى دخل رمضان آخر، فماذا يلزمني؟

عليك التوبة من التأخير وقضاء الأيام؛ فدخول رمضان آخر لا يسقطها. وأفتى ابن باز رحمه الله بإطعام مسكين عن كل يوم مع القضاء، اتباعا لما أفتى به جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. ووجوب هذا الإطعام محل خلاف بين أهل العلم، أما القضاء فلا يستبدل بالإطعام. وهذا يختلف عمن استمر عذره فلم يتمكن من القضاء؛ فلا يلزمه إطعام بسبب التأخير المعذور.

الأخذ بالرخصة مع حفظ الواجب

الرخصة ترفع الحرج، لكنها لا تلغي ما أوجبه الله بعد زوال العذر. فمن قدر على القضاء قضى، ومن عجز عجزا مستمرا عمل بحكم الإطعام. ومعرفة ذلك تريح المريض والمسافر من تكلف ما يضرهما، ومن القلق الذي ينشأ عن الخلط بين القضاء والفدية والكفارة.

نسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين، وأن يعيننا على عبادته على بصيرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.