العشر الأواخر من رمضان: هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأفضل الأعمال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
حين يدخل رمضان أيامه الأخيرة، قد يجتمع على المسلم تعب الصيام وشواغل العمل والاستعداد للعيد. لكن هذه الليالي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وقت مزيد من الاجتهاد، لا وقت فتور وانتظار لانتهاء الشهر. وفيها تلتمس ليلة القدر، التي جعل الله العمل فيها خيرا من العمل في ألف شهر.
ولا يحتاج اغتنامها إلى برنامج معقد أو انتظار ليلة بعينها. يبدأ بحفظ الفرائض، ثم زيادة الصلاة والقراءة والدعاء بحسب الاستطاعة، مع صدق التوبة وطلب عفو الله. وهذا باب للرجال والنساء، ولمن يعتكف ومن لا يتيسر له الاعتكاف.
متى تبدأ العشر الأواخر ومتى تنتهي؟
تبدأ من ليلة إحدى وعشرين من رمضان، أي من غروب شمس اليوم العشرين، وتنتهي بانتهاء الشهر وثبوت دخول شوال. فلا ينتظر المسلم مساء اليوم الحادي والعشرين ليبدأ؛ لأن الليلة تسبق نهارها.
وتسمى العشر الأواخر سواء تم رمضان ثلاثين يوما أو كان تسعة وعشرين. فاجتهد فيما بقي من الشهر كله، ولا تترك آخر ليلة منه ظنا أن الفضل انتهى قبلها.
كيف كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها؟
قالت عائشة رضي الله عنها:
«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ».
رواه البخاري (2024). وأخبرت رضي الله عنها أنه كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها. رواه مسلم (1175).
فمن هديه زيادة الجد في العبادة، وإحياء الليل بالصلاة والقراءة والدعاء، وإعانة أهل البيت على ذلك. وليس المقصود مجرد السهر؛ فقد يسهر الإنسان حتى الفجر ولا يكون له من سهره نصيب من هذه العبادة.
وإيقاظ الأهل يكون برفق، مع إعانتهم على العبادة بتخفيف الأعمال وتقاسم رعاية الأطفال وتهيئة وقت هادئ للصلاة.
تحري ليلة القدر في العشر كلها
قال الله تعالى:
{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ».
رواه البخاري (2017). فأوتار العشر آكد في طلبها، لكن السنة الاجتهاد في الليالي كلها. ورجح ابن باز رحمه الله أنها تتنقل في العشر، وأن ليلة سبع وعشرين أرجاها، وليست متعينة في كل عام. فلا تجعل عنايتك بليلة واحدة سببا لترك ما قبلها وما بعدها.
ومن فضل قيامها قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
رواه البخاري (2014، من الحديث). ومعنى إيمانا واحتسابا: تصديقا بوعد الله وطلبا لثوابه، لا رياء ولا لمجرد موافقة الناس.
وقد بين ابن باز أن نصوص المغفرة تجمع مع النصوص التي تشترط اجتناب الكبائر، ومنها حديث مسلم (233). فلا يغني القيام عن التوبة من الكبائر، ولا يسقط حقوق الناس؛ فمن كانت عليه مظلمة سعى في ردها أو التحلل منها على الوجه المشروع.
القيام والقرآن والدعاء
الصلاة بخشوع وإتمامها مع الإمام
وقت صلاة الليل بعد أداء العشاء إلى طلوع الفجر، كما في وصف عائشة رضي الله عنها لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مسلم (736). وتصلى ركعتين ركعتين؛ وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في البخاري (990).
صل ما تيسر لك مع الطمأنينة وحضور القلب. وإن صليت مع الإمام فاحرص على إتمام الصلاة معه؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة. رواه الترمذي (806)، وقال: حسن صحيح. والمقصود إتمام الصلاة، لا انتظار خروج الإمام من المسجد.
وما يصلى في آخر الليل في العشر الأواخر هو من قيام الليل، وليس صلاة جديدة ذات أركان مختلفة. وتفصيل الوقت والصفة والركعات في قيام الليل والتهجد: الوقت والصفة وعدد الركعات.
قراءة القرآن وتدبره
خصص وقتا للقرآن، ولا تتركه لما يتبقى بعد سائر الأشغال. وقد كان جبريل عليه السلام يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. رواه البخاري (6). وهذا من هديه في رمضان كله، وتزداد العناية به مع اجتهاده في العشر.
اقرأ ما تيسر بترتيل، واعتن بصحة التلاوة وفهم المعنى والعمل به. وختم القرآن عمل فاضل، لكنه ليس شرطا لاغتنام هذه الليالي، ولا يلزم أن يوافق ليلة السابع والعشرين. وللمزيد انظر أهمية القرآن الكريم وفضل حفظه في حياة المسلم.
الدعاء بالعفو وسائر خير الدنيا والآخرة
سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عما تدعو به إن وافقت ليلة القدر، فعلمها أن تقول:
«اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
رواه ابن ماجه (3850)، وروى الترمذي أصل الحديث (3513) وقال: حديث حسن صحيح. وهذا اللفظ من رواية ابن ماجه.
فأكثر من طلب عفو الله، وادعه بما تحتاج إليه من الهداية والثبات وصلاح الأهل والعافية والرزق الحلال. ولا ينحصر الدعاء في صيغة واحدة. ومن الألفاظ النافعة ما جمع في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة.
الاعتكاف لمن تيسر له
أخبرت عائشة رضي الله عنها:
«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ».
رواه البخاري (2026).
والاعتكاف لزوم المسجد بنية التعبد لله والتفرغ لطاعته. وهو سنة تتأكد في العشر الأواخر، ويجب بالنذر الصحيح. وليس الاعتكاف شرطا لإدراك ليلة القدر؛ فمن لم يستطع الاعتكاف فليجتهد في الصلاة والذكر والقراءة حيث كان.
ومن أراد الاعتكاف تعلم أحكامه، وراعى حقوق أهله وعمله، ولم يترك واجبا لأجل نافلة. ومن تلزمه الجماعة يعتكف في مسجد تقام فيه، حتى لا يضيعها باعتكافه. ونبه ابن باز رحمه الله إلى أن من احتاج أهله إلى سعيه في النفقة قدم ذلك على اعتكاف التطوع. والمقصود من الاعتكاف التفرغ للعبادة، فلا تضيع وقته في الأحاديث الطويلة والتصفح.
الصدقة والتوبة وحفظ الواجبات
كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. رواه البخاري (6). فتصدق بما يتيسر، وأحسن إلى من يحتاج، ولا تؤخر مساعدة محتاج حاضر انتظارا لليلة تظنها ليلة القدر. والصدقة في هذه الليالي من وجوه الخير، ولا يحدد لها ثواب بعدد معين إلا بدليل.
والتوبة واجبة في كل وقت، وهذه الليالي فرصة للإقبال عليها: اترك الذنب، واندم عليه، واعزم على ألا تعود إليه، وأد حقوق العباد على الوجه المشروع.
ابدأ بالصلوات المفروضة في وقتها، واحفظ صيامك ولسانك. وقد جاء في الحديث القدسي أن أحب ما يتقرب به العبد إلى الله ما افترضه عليه. رواه البخاري (6502). فلا تسهر في النافلة ثم تنام عن الفجر، ولا تجعل طول القيام سببا للتفريط فيمن تجب عليك رعايته.
كيف يغتنمها من يعمل أو يرعى أسرة؟
قد لا يتيسر لك البقاء في المسجد ساعات طويلة. احفظ الفرائض أولا، ثم اختر وقتا للصلاة تستطيع المحافظة عليه، واقرأ واذكر الله وادعه فيما يتيسر من ليلك. وإن أمكنك تخفيف المواعيد غير الضرورية وتقليل التصفح، فستجد وقتا كان يضيع دون أن تشعر.
وتعاون أهل البيت يفتح للجميع بابا للعبادة؛ يتولى أحدهم رعاية الطفل وقتا ليصلي الآخر، ويخففون ما لا يحتاجون إليه من إعداد الطعام والتسوق. ومن احتاج إلى شيء من النوم ليتقوى فلا حرج، كما بين ابن باز رحمه الله.
أسئلة شائعة عن العشر الأواخر
هل يجب أن أبقى مستيقظا حتى الفجر كل ليلة؟
لا، قيام هذه الليالي مستحب وليس واجبا. اجتهد فيما تستطيع، ونم ما تحتاج إليه للتقوي على الطاعة وأداء واجباتك، مع المحافظة على صلاة الفجر. ولا تجعل عدم قدرتك على إحياء الليل كله سببا لترك ما تقدر عليه.
قصرت في أول رمضان، فهل فاتتني فرصة العشر؟
لا، تب إلى الله وابدأ بما بقي. لا يشترط للاجتهاد في العشر أن تكون قد أحسنت في كل ما سبقها، ولا يصلح التقصير السابق عذرا لاستمراره. وخذ لنفسك عملا تستطيع الثبات عليه بعد رمضان أيضا.
هل أكتفي بليلة سبع وعشرين؟
ليلة سبع وعشرين من أرجى الليالي، لكن لا يجزم بأنها ليلة القدر في كل عام. اجتهد في العشر كلها، ولا تنصرف عن العبادة بعد ليلة السابع والعشرين، كما لو كان الشهر قد انتهى.
هل أترك الليالي الزوجية وأصلي في الأوتار فقط؟
الأوتار آكد، لكن هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان الاجتهاد في العشر كلها. فلا تترك الليالي الأخرى، وخاصة إن تيسر لك فيها من العبادة ما لم يتيسر في غيرها.
أوترت مع الإمام بعد التراويح، هل أصلي آخر الليل؟
نعم، تصلي ما تيسر ركعتين ركعتين من غير وتر ثان. وقد بين ابن باز رحمه الله جواز ذلك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». رواه أبو داود (1439)، وصححه الألباني.
ماذا تفعل الحائض في العشر الأواخر؟
لا تصلي حال الحيض، ولها الدعاء والذكر والاستغفار والصدقة وسائر الطاعات التي لا تمنع منها. ولا تجعل امتناعها عن الصلاة سببا لترك هذه الأبواب. وأما قراءة القرآن ومس المصحف ففيهما تفصيل مبين في هل يجوز للحائض قراءة القرآن ومس المصحف؟.
هل يجب أن أرى علامة لأكون قد أدركت ليلة القدر؟
لا، معرفة الليلة أو رؤية علامة ليست شرطا لحصول فضل قيامها. وقد بين ابن باز أن من وافقها قيامه إيمانا واحتسابا نال الفضل وإن لم يعلم أنها ليلة القدر. فاشتغل بالعبادة، ولا تجعل البحث عن الصور والعلامات يصرفك عنها.
هل يجب أن أختم القرآن في العشر؟
لا يجب ختم القرآن فيها، ولا يتعين عدد من الأجزاء لكل ليلة. احرص على القراءة والتدبر بحسب استطاعتك، ولا تترك التلاوة لأنك لن تتمكن من ختمة كاملة.
لا أستطيع اعتكاف العشر كلها، فهل أعتكف بعضها؟
نعم، في اعتكاف التطوع أجاز ابن باز رحمه الله مدة أقصر، كليلة أو يوم، ولم يشترط العشر كاملة. أما من نذر اعتكاف مدة معينة فحكمه مختلف. تعلم أحكام المدة التي تنويها وما يجوز لك من الخروج. والاعتكاف المذكور محله المسجد، لا البيت.
هل لدعاء «اللهم إنك عفو» عدد مخصوص؟
لم يحدد الحديث عددا لتكراره. تقوله وتكرره من غير اعتقاد أن مائة مرة أو ألف مرة سنة مخصوصة لهذه الليالي. ولا يشرع تخصيص ليلة القدر بسورة معينة أو صلاة ذات عدد خاص من غير دليل؛ المشروع هو القيام والدعاء على الصفة الثابتة.
لا تنصرف عن العبادة قبل انقضاء الشهر
اغتنم كل ليلة بقيت، وادخلها راجيا فضل الله، ولو لم يكن اجتهادك في الليلة السابقة كما أردت. وإذا انتهى رمضان فاحتفظ بشيء من القيام والقرآن والصدقة؛ فرب رمضان هو رب الشهور كلها.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرزقنا قيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.