دليل الأحكام الشرعيةالكفارات في الإسلام: معناها وأنواعها وكيف تؤدى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
شرع الله الكفارات رحمة بعباده وجبرا لبعض ما يقع منهم من مخالفة، لكنه لم يجعل لجميع الكفارات صورة واحدة. فكفارة اليمين تخالف كفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان تخالف كفارة القتل الخطأ، وفدية بعض محظورات الإحرام لها أحكام أخرى.
ولهذا لا يكفي أن يقول الإنسان: سأطعم فقيرا أو أصوم أياما ثم أعد ذلك كفارة. فالواجب أن يعرف أولا سبب الكفارة، وهل خصالها على التخيير أو الترتيب، وعدد المساكين، وصفة الصيام، وهل معها توبة أو قضاء أو دية أو رد حق إلى صاحبه.
وهذا المقال مدخل عام إلى أشهر الكفارات الثابتة في القرآن والسنة. أما الوقائع المعينة، مثل ألفاظ الظهار المحتملة، والحوادث التي ترتب عليها موت، والجماع في رمضان مع اختلاف حال الزوجين، ومخالفات الحج والعمرة، فلا يحكم فيها الشخص على نفسه بمقال عام، بل يعرض تفاصيلها على عالم موثوق.
محور المقالالكفارة عبادة لله وحده
الكفارة عبادة، فلا تصح إلا بالإخلاص لله واتباع ما شرعه. وكذلك النذر والذبح عبادتان لا يجوز صرفهما لنبي أو ولي أو قبر أو جن أو غيرهم.
قال الله تعالى:
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].
فمن صرف النذر إلى ميت، أو ذبح لصاحب قبر متقربا إليه أو طالبا شفاعته أو نفعه، أو قصد بكفارته التقرب إلى غير الله، لم يصح عمله ووقع في الشرك الأكبر، ووجب عليه أن يتوب إلى الله ويخلص العبادة له وحده. أما من ذبح لله عند قبر ظنا أن للمكان فضلا، من غير أن يقصد صاحب القبر، فعمله بدعة محرمة ووسيلة إلى الشرك، وليس هو في حكم من ذبح للميت. ولا يجوز الوفاء بنذر لغير الله؛ لأن العبادة الباطلة لا تصححها الكفارة.
محور المقالهل الكفارة هي نفسها التوبة؟
لا. التوبة عبادة مستقلة، وشروطها الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة، ورد حقوق الخلق أو طلب المسامحة منهم إذا تعلق الذنب بحقوقهم.
أما الكفارة فهي واجب مخصوص يثبت في أسباب معينة. فقد تجب الكفارة مع التوبة، كما في الجماع المحرم في نهار رمضان. وقد تجب بسبب مخالفة لا يكون اختيار الخير فيها معصية، كمن حلف أن يفعل أمرا ثم تبين له أن غيره خير، فيفعل الخير ويكفر عن يمينه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ".
متفق عليه.
ولا تسقط الكفارة حقوق الناس. ففي القتل الخطأ مثلا تجتمع الكفارة مع الدية المستحقة لأهل المقتول، إلا أن يعفوا عن الدية، ويبقى حكم الكفارة كما بينه الله.
محور المقالالفرق بين الكفارة والفدية والقضاء والصدقة
الكفارة: عبادة تجب بسبب معين، مثل الحنث في اليمين أو الظهار أو الجماع في نهار رمضان.
الفدية: بدل شرعي يشرع عند عجز أو ترك أو ارتكاب محظور في أبواب معينة، مثل فدية العاجز عجزا مستمرا عن صيام رمضان، وفدية الأذى في الحج.
القضاء: أداء العبادة الواجبة بعد خروج وقتها، مثل قضاء يوم من رمضان. وقد يجتمع القضاء والكفارة في واقعة واحدة، كما في الجماع المتعمد في نهار رمضان على القول المختار.
الصدقة: تطوع عام يرجو به المسلم الأجر، ولا تقوم من تلقاء نفسها مقام كفارة محددة إلا إذا أخرجت بنية الكفارة وعلى الصفة التي شرعها الله.
محور المقالأولا: كفارة اليمين
تجب كفارة اليمين في اليمين المنعقدة التي يقصدها المسلم بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته على أمر مستقبل، ثم يحنث فيها مختارا.
قال الله تعالى:
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89].
فالقادر مخير بين:
- إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله.
- كسوة عشرة مساكين.
- تحرير رقبة.
فإن عجز عن الخصال الثلاث جميعا، صام ثلاثة أيام. ولا يجزئ القادر على الإطعام أو الكسوة أن يتركهما ويصوم لمجرد أن الصيام أسهل أو أقل كلفة.
ولا بد في الإطعام أو الكسوة من عشرة مساكين مختلفين. ولا يجزئ إعطاء حصة العشرة إلى مسكين واحد عن كفارة واحدة.
وللتفصيل في أنواع الأيمان، وصفة الإطعام والكسوة، وتعدد الكفارات، وأحكام النذر، يمكن مراجعة مقال الأيمان والنذور والكفارات: متى تجب الكفارة وكيف تؤدى؟.
محور المقالهل للنذر كفارة مستقلة؟
ليس كل نذر له حكم واحد. فمن نذر طاعة صحيحة لله وكان قادرا عليها وجب عليه الوفاء بها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ".
رواه البخاري.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ".
رواه مسلم.
ويحمل هذا على الصور التي تثبت فيها كفارة اليمين، كالنذر المطلق أو بعض صور العجز أو نذر اللجاج عند من ألحقه باليمين، بحسب تفاصيل اللفظ والنية. أما نذر الطاعة المعين مع القدرة فلا يترك صاحبه الوفاء ويختار الكفارة لمجرد أنها أسهل. ونذر المعصية لا يجوز الوفاء به، وأحكام الكفارة فيه وفي الألفاظ المحتملة تحتاج إلى سؤال أهل العلم.
محور المقالثانيا: كفارة الظهار
الظهار أن يشبه الرجل زوجته، أو عضوا منها، بمن تحرم عليه على التأبيد، كأمه، على وجه التحريم. وله ألفاظ صريحة وألفاظ محتملة تختلف أحكامها باختلاف العبارة والنية والعرف، فلا يجعل قصد المتكلم وحده طريقا لإسقاط حكم اللفظ الصريح، ولا يحمل كل تشبيه محتمل على الظهار من غير سؤال أهل العلم. وهو قول منكر وزور، وليس طلاقا يبيح للرجل أن يترك الحكم أو يعاشر زوجته من غير كفارة.
قال الله تعالى:
{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2].
وقال سبحانه:
{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 3-4].
فكفارة الظهار مرتبة:
- تحرير رقبة.
- فإن لم يجد، صام شهرين متتابعين.
- فإن لم يستطع الصيام، أطعم ستين مسكينا.
ويجب أداء الكفارة قبل أن يمس الرجل زوجته. ومع تعذر الرق في عصرنا ينتقل إلى الصيام، ولا ينتقل إلى الإطعام لمجرد المشقة المعتادة أو تفضيل الإطعام، بل عند العجز الحقيقي عن صيام الشهرين.
ولا يجوز تنزيل حكم الظهار على كل كلمة غضب أو تشبيه عابر من غير معرفة اللفظ والنية والعرف؛ كما لا يجوز إهمال لفظ صريح يحتمل الظهار. فمن صدر منه لفظ تحريم أو تشبيه لزوجته بمحرم عليه، وجب أن يذكر عبارته كما قالها لعالم موثوق قبل المعاشرة.
محور المقالثالثا: كفارة الجماع في نهار رمضان
من جامع عمدا في نهار رمضان وهو ممن يجب عليه الصوم، ذاكرا لصومه مختارا، فقد ارتكب ذنبا عظيما، ويلزمه التوبة وقضاء اليوم والكفارة المغلظة على القول المختار.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
"بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالعَرَقُ المِكْتَلُ. قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ، أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ".
متفق عليه.
والكفارة مرتبة كما في الحديث:
- تحرير رقبة.
- فإن عجز، صام شهرين متتابعين.
- فإن عجز عجزا حقيقيا عن الصيام، أطعم ستين مسكينا.
ولا يجوز للقادر على الصيام أن ينتقل مباشرة إلى الإطعام. كما لا تعمم رخصة إطعام الرجل أهله في آخر الحديث على كل شخص؛ لأنها واقعة لها حالها، ومن عجز عن جميع الخصال يسأل عالما عن حكمه.
وتختلف الأحكام باختلاف النسيان والإكراه والسفر والمرض وحال الزوجة وتكرر الفعل، فلا تقدر الكفارة من جواب مختصر. وللتفصيل يمكن مراجعة مقال قضاء صيام رمضان والفدية والكفارة: أهم الأحكام.
محور المقالرابعا: كفارة القتل الخطأ
قال الله تعالى:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92].
فالكفارة هي:
- تحرير رقبة مؤمنة.
- فمن لم يجد، صام شهرين متتابعين.
ولا يوجد في الآية انتقال إلى إطعام المساكين بدلا من الصيام. والدية حق لأهل المقتول غير الكفارة؛ فإذا عفوا عن الدية لم تسقط الكفارة.
وحوادث السيارات، والأخطاء الطبية، والوفاة بسبب الإهمال أو الاشتراك في السبب لا يحكم فيها الشخص على نفسه؛ لأنها تحتاج إلى إثبات سبب الوفاة، ونسبة الخطأ، وأحكام القضاء والضمان. فيرجع فيها إلى الجهة القضائية المختصة وعالم موثوق بعد عرض التقارير والوقائع كاملة.
أما القتل العمد فجرمه أعظم، ولا يجعل أداء كفارة القتل الخطأ بديلا عن التوبة والقصاص أو الدية وسائر الحقوق والأحكام المتعلقة به. وهذه القضايا مردها إلى القضاء الشرعي والجهات المختصة، لا إلى تصرف الأفراد.
محور المقالخامسا: فدية الأذى وبعض أحكام الحج والعمرة
ليست كل واجبات الحج ومحظوراته كفارة واحدة. فمنها فدية الأذى، ومنها جزاء الصيد، ومنها دم الجبران أو الهدي، ولكل نوع سببه وصفته.
قال الله تعالى:
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196].
وبين النبي صلى الله عليه وسلم فدية الأذى لكعب بن عجرة رضي الله عنه فقال:
"احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ".
متفق عليه.
فهذه الفدية على التخيير بين الخصال الثلاث، وليست مرتبة ككفارة الظهار.
أما قتل الصيد البري حال الإحرام فقال الله فيه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة: 95].
فجزاء الصيد لا يقدره المحرم بنفسه؛ لأن النص جعل الحكم بالمثل إلى عدلين. ومن ارتكب محظورا أو ترك واجبا في الحج أو العمرة، فليذكر الفعل ووقت وقوعه وعلمه بالحكم وحاله عنده لعالم موثوق، ولا يذبح أو يطعم أو يصوم بالتخمين.
محور المقالسادسا: الصدقة في جماع الحائض أو النفساء
جماع المرأة في الحيض أو النفاس محرم، ويجب على من وقع فيه عالما مختارا أن يتوب إلى الله توبة صادقة.
قال الله تعالى:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال:
"يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ".
رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه جماعة من أهل العلم.
والراجح العمل بالحديث، فيتصدق الرجل بدينار شرعي من الذهب أو نصفه مع التوبة. والدينار الشرعي مثقال من الذهب يقدر بنحو 4.25 غرامات؛ فيحسب قيمة دينار أو نصف دينار بسعر الذهب وقت الأداء، ولا يقصد بالدينار اسم عملة ورقية معاصرة. ومن اشتبه عليه وقت الجماع أو تحقق الحيض أو النفاس، فليسأل عالما عن حالته ولا يوجب على نفسه شيئا بالشك.
سؤال وجوابهل لكل ذنب كفارة مالية أو صيام؟
لا. الكفارات عبادات توقيفية لا تثبت إلا بدليل. وأكثر الذنوب علاجها التوبة الصادقة ورد الحقوق والإكثار من الحسنات، ولا يخترع المسلم لها صياما أو مبلغا يسميه كفارة. وإذا وردت كفارة مخصوصة وجب أداؤها على الصفة المشروعة.
سؤال وجوابهل تجب الكفارة المغلظة على من أفطر في رمضان بالأكل أو الشرب عمدا؟
من أفطر عمدا بالأكل أو الشرب في نهار رمضان فقد ارتكب إثما عظيما، وعليه التوبة وقضاء اليوم، لكن لا تلزمه كفارة الجماع المغلظة على القول الراجح؛ لأن النص ورد في الجماع. ولا يعني عدم وجوبها أن الذنب يسير أو أن القضاء وحده يغني عن التوبة.
سؤال وجوابهل يجوز اختيار أسهل خصلة في كل كفارة؟
لا. إن جعل الشرع الخصال على التخيير، مثل الإطعام أو الكسوة أو العتق في كفارة اليمين، جاز اختيار أي واحدة منها. وإن جعلها مرتبة، مثل الظهار والجماع في رمضان، وجب البدء بالأولى وعدم الانتقال إلى التالية إلا عند العجز المعتبر.
سؤال وجوابهل يجوز دفع الكفارة نقودا؟
الأصل أداء الكفارة كما ورد بها النص. فإذا كانت إطعاما أو كسوة، فالراجح، وهو قول جمهور أهل العلم، أن النقود لا تجزئ مباشرة بدلا منهما. ويجوز توكيل جهة أمينة بالمال لتشتري الطعام أو الكسوة وتوصلهما إلى العدد المطلوب من المساكين. أما بعض فدى الحج والجزاءات فلها تفاصيل أخرى، فلا تعمم عليها إجابة واحدة.
سؤال وجوابهل يجوز إعطاء الكفارة للأسرة والأقارب؟
يجوز إعطاؤها لقريب فقير لا تجب نفقته على صاحب الكفارة. أما الزوج أو الزوجة، والوالدان، والأولاد، وغيرهم ممن قد تجب نفقتهم، فلا يعطون من الكفارة على وجه يجعلها بديلا من النفقة الواجبة. وتختلف بعض الصور باختلاف من تلزمه النفقة وحال المستحق؛ فمن أراد دفع الكفارة إلى زوجه أو أحد أصوله أو فروعه فليسأل عالما عن حالته. ولا بد من مراعاة عدد المساكين المنصوص عليه؛ فالعبرة بعدد الأفراد المستحقين، لا بعدد البيوت فقط.
سؤال وجوابهل يجوز دفع الكفارة من مال الزكاة؟
لا. الزكاة عبادة مستقلة، والكفارة واجب مستقل، فلا يجزئ مال واحد عن الفرضين. ومن وجبت عليه كفارة أخرجها من ماله بنية الكفارة، ولا يحتسبها من زكاته الواجبة.
سؤال وجوابهل الحلف بغير الله تلزمه كفارة يمين؟
لا. لا يجوز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا بالكعبة، ولا بالأمانة، ولا بحياة شخص أو شرفه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ".
متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ".
رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.
والحلف بغير الله من الشرك الأصغر في أصل حكمه، وقد يكون أكبر إذا اعتقد الحالف في المحلوف به ما لا يكون إلا لله. ولا تنعقد به يمين شرعية ولا تجب به كفارة يمين، لكن يجب على صاحبه أن يتوب إلى الله ويترك هذا الحلف.
سؤال وجوابهل تكفي كفارة اليمين عن اليمين الغموس؟
اليمين الغموس هي أن يحلف الإنسان بالله كاذبا متعمدا على أمر ماض أو حاضر، وهي من كبائر الذنوب. والراجح أن كفارة اليمين المعتادة لا تجب فيها ولا تكفي لمحو جرمها؛ لأنها ليست يمينا منعقدة على أمر مستقبل ثم وقع الحنث فيها. والواجب التوبة النصوح، ورد الحقوق والأموال إلى أصحابها إن ترتب عليها ظلم. وعدم وجوب الكفارة لا يعني أن ذنبها أخف، بل هي أشد من اليمين التي تجبر بالكفارة.
سؤال وجوابهل يجوز إخراج كفارة اليمين قبل الحنث؟
يجوز تقديم كفارة اليمين بعد انعقاد اليمين وقبل الحنث إذا عزم المسلم على فعل ما هو خير، ويجوز إخراجها بعد الحنث. أما تقديمها قبل أن تنعقد اليمين فلا يصح؛ لأنه لا سبب لها حينئذ.
سؤال وجوابهل يجب إخراج الكفارة فورا؟
إذا وجبت الكفارة وقدر المسلم على أدائها، فليبادر إلى إبراء ذمته ولا يؤخرها من غير عذر. أما أثر العجز المؤقت أو الدائم فيختلف باختلاف نوع الكفارة والنص الوارد فيها؛ فقد يوجب الانتقال إلى الخصلة التالية، وقد تبقى الكفارة في الذمة، وقد يسقط الواجب بالعجز التام على قول معتبر في بعض الصور. فلا ينقل حكم كفارة إلى أخرى، بل يسأل أهل العلم عن حاله. والكفارة التي اشترط النص تقديمها قبل المعاشرة، مثل كفارة الظهار، لا يجوز تجاوز وقتها المحدد.
سؤال وجوابهل قول: علي الطلاق أو علي الحرام يعامل دائما كيمين؟
لا يجوز إعطاء جواب واحد لجميع هذه الألفاظ؛ فقد يختلف الحكم باختلاف العبارة والنية وهل قصد المتكلم إيقاع الطلاق أو الظهار أو مجرد الحث والمنع. كما اختلف أهل العلم في بعض صور الطلاق المعلق. فلا يطبق القائل كفارة اليمين على نفسه، ولا يستمر في المعاشرة أو يفارق زوجته اعتمادا على مقال عام، بل يعرض لفظه ونيته وما وقع على عالم موثوق أو جهة إفتاء معتبرة فورا.
سؤال وجوابهل تجب النية عند إخراج الكفارة؟
نعم؛ لأن الكفارة عبادة. وينويها صاحبها عند إخراج الطعام أو الكسوة أو تسليم المال إلى الوكيل الذي سيشتري به المطلوب. ولا تتحول صدقة قديمة إلى كفارة بأثر رجعي من غير نية سابقة أو مقارنة للأداء.
سؤال وجوابهل يجوز توكيل جمعية في إخراج الكفارة؟
يجوز إذا كانت موثوقة وتعرف نوع الكفارة وعدد المستحقين وصفة الإطعام أو الكسوة أو الذبح ومكانه عند اشتراط المكان. وعلى صاحب الكفارة أن يبين نوعها، وألا يكتفي بزر تبرع عام لا يعرف كيف سيصرف المال.
سؤال وجوابهل كفارة المجلس من هذه الكفارات المالية؟
لا. ما يسمى كفارة المجلس ذكر مشروع يقال عند القيام من المجلس:
"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ".
رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.
وهو ليس بديلا عن كفارة اليمين أو الظهار أو غيرهما، ولا يسقط حقوق الناس أو التوبة من الغيبة والظلم.
سؤال وجوابماذا يفعل من لا يعرف نوع الكفارة الواجبة عليه؟
لا يبدأ بالصيام أو الدفع اعتمادا على الظن. بل يكتب الواقعة واللفظ والنية والتاريخ والحال، ثم يسأل عالما موثوقا. فاختلاف كلمة واحدة، أو وجود إكراه أو نسيان أو سفر أو مرض، قد يغير الحكم.
سؤال وجوابماذا يفعل من عجز عن جميع خصال الكفارة؟
يختلف الحكم باختلاف نوع الكفارة وسبب العجز وهل هو مؤقت أو دائم. فلا يقس كفارة على أخرى، ولا يسقطها عن نفسه، بل يسأل أهل العلم ويبين قدرته الصحية والمالية بدقة.
محور المقالدفع الفدية والكفارة عبر مركز التراث الإسلامي
يوفر مركز التراث الإسلامي خدمة توكيله في شراء الطعام وتوزيعه على المستحقين. وبحسب التقدير المنشور حاليا في صفحة الدفع، يحتسب المركز 15 دولارا عن كل مسكين أو عن كل يوم من أيام الفدية. وهذا المبلغ تقدير حالي لتكلفة الإطعام لدى المركز، وليس مقدارا نقديا ثابتا في الشرع.
ويجب قبل الدفع تحديد نوع الواجب؛ لأن الفدية ليست هي الكفارة، ولأن بعض الكفارات مرتبة لا يجوز الانتقال فيها إلى الإطعام لمجرد أنه أسهل:
- فدية العاجز عجزا مستمرا عن صيام رمضان: إطعام مسكين عن كل يوم، بتقدير حالي قدره 15 دولارا لكل يوم. أما المرض المؤقت الذي يرجى زواله، فالواجب معه القضاء عند القدرة لا الفدية.
- كفارة اليمين عند اختيار الإطعام: إطعام عشرة مساكين، بتقدير حالي مجموعه 150 دولارا. والقادر مخير بين الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة، فإن عجز عن الخصال الثلاث جميعا صام ثلاثة أيام.
- كفارة الجماع المتعمد في نهار رمضان: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز عجزا حقيقيا أطعم ستين مسكينا، بتقدير حالي مجموعه 900 دولار.
- كفارة الظهار: عتق رقبة قبل المعاشرة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز عجزا حقيقيا أطعم ستين مسكينا، بتقدير حالي مجموعه 900 دولار.
يمكن دفع المبلغ شخصيا في مركز التراث الإسلامي، أو توكيل المركز عبر صفحة الدفع الإلكترونية. ومن لم يتيقن نوع الواجب أو تحقق شرط الانتقال إلى الإطعام، فليسأل عالما موثوقا قبل الدفع.
ادفع الفدية أو الكفارة عبر صفحة مركز التراث الإسلامي