قِصَصُ الْأَنْبِيَاءِ
قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ
أَرْسَلَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَيُحَذِّرُهُمْ عَاقِبَةَ الشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ. وَطَالَتْ دَعْوَتُهُ، وَاشْتَدَّ إِعْرَاضُ قَوْمِهِ، حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ فَنَجَّاهُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ. وَقَدْ بَسَطَ الْقُرْآنُ خَبَرَهُ فِي مَوَاضِعَ، وَجَمَعَ فِي قِصَّتِهِ بَيَانَ التَّوْحِيدِ، وَصَبْرَ الرَّسُولِ، وَعَدْلَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ. [الْأَعْرَافُ: 59؛ هُودٌ: 25–49]
وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ يَقُولُ النَّاسُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ». فَهَذَا هُوَ الْوَصْفُ الثَّابِتُ لَهُ، وَلَا يَعْنِي أَنَّهُ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَقَدْ سَبَقَهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، فَكَانَ شُكْرُهُ لِلَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي أَبْقَى اللَّهُ ذِكْرَهَا. [صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، رَقْمُ 3340؛ الْإِسْرَاءُ: 3]
وَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ تَعَلَّقُوا بِأَصْنَامٍ يُسَمُّونَهَا وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا. وَبَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ، فَلَمَّا مَاتُوا وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ يَنْصِبُوا فِي مَجَالِسِهِمْ أَنْصَابًا وَيُسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ. وَلَمْ تُعْبَدْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، حَتَّى مَاتَ ذَلِكَ الْجِيلُ وَذَهَبَ الْعِلْمُ، فَعُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَهَذَا تَفْسِيرٌ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، يُبَيِّنُ كَيْفَ يَنْتَهِي الْغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ، مَعَ ذَهَابِ الْعِلْمِ، إِلَى الشِّرْكِ. [نُوحٌ: 23؛ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ التَّفْسِيرِ، رَقْمُ 4920]
فَجَاءَهُمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَصْلِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وَدَعَاهُمْ إِلَى تَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَالًا، وَإِنَّمَا طَلَبَ أَجْرَهُ مِنَ اللَّهِ. كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ، وَيُرِيدُ لَهُمُ الْمَغْفِرَةَ وَالنَّجَاةَ. [الْأَعْرَافُ: 59؛ هُودٌ: 29؛ نُوحٌ: 2–4]
سَنَوَاتُ الدَّعْوَةِ وَإِعْرَاضُ الْقَوْمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾. فَهَذِهِ تِسْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً لَبِثَهَا فِي قَوْمِهِ قَبْلَ الطُّوفَانِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ. وَلَا يَصِحُّ جَعْلُ هَذَا الْعَدَدِ وَحْدَهُ تَحْدِيدًا لِجَمِيعِ عُمُرِهِ؛ فَالْآيَةُ تُخْبِرُ عَنْ مُدَّةِ لَبْثِهِ فِيهِمْ إِلَى مَجِيءِ الطُّوفَانِ. [الْعَنْكَبُوتُ: 14]
وَلَمْ يَكُنْ صَبْرُهُ مُجَرَّدَ انْتِظَارٍ؛ فَقَدْ قَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾. جَهَرَ لَهُمْ بِالدَّعْوَةِ وَأَسَرَّ بِهَا، وَكَرَّرَ النُّصْحَ، وَسَلَكَ إِلَيْهِمْ أَبْوَابَ الْبَيَانِ. وَكُلَّمَا دَعَاهُمْ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ، وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ، وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا. فَكَانَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ مَقْصُودًا، لَا لِقِلَّةِ مَا بَلَغَهُمْ مِنَ الْحُجَّةِ. [نُوحٌ: 5–9]
وَكَانَ يَفْتَحُ لَهُمْ بَابَ الرَّجَاءِ، فَيَأْمُرُهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ وَيُذَكِّرُهُمْ بِسَعَةِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ، وَيُبَيِّنُ مَا فِي التَّوْبَةِ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ. قَالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ الْمَطَرَ وَالْمَالَ وَالْبَنِينَ وَالْجَنَّاتِ وَالْأَنْهَارَ. [نُوحٌ: 10–12]
وَذَكَّرَهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبِخَلْقِهِمْ ثُمَّ بَعْثِهِمْ. فَالَّذِي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِعِبَادَتِهِمْ، وَإِلَيْهِ مَرْجِعُهُمْ. وَهَكَذَا جَمَعَتْ دَعْوَتُهُ بَيْنَ أَمْرِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الْمَغْفِرَةِ، وَتَذْكِيرِهِمْ بِقُدْرَةِ رَبِّهِمْ وَبِالْيَوْمِ الَّذِي يَلْقَوْنَهُ فِيهِ. [نُوحٌ: 13–20]
أَمَّا الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَاحْتَقَرُوا أَتْبَاعَهُ، وَاعْتَرَضُوا بِأَنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنْ أَرَاذِلِهِمْ. فَلَمْ يَطْرُدْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُؤْمِنِينَ طَلَبًا لِرِضَا الْمُتَكَبِّرِينَ، وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ بِمَا يَقُولُهُ خُصُومُهُمْ. وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ خَزَائِنَ اللَّهِ، وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلَا يَقُولُ إِنَّهُ مَلَكٌ. كَانَ رَسُولًا يُبَلِّغُ عَنْ رَبِّهِ، لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ مَا اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ. [هُودٌ: 27–31]
وَمَضَى قَوْمُهُ فِي التَّكْذِيبِ حَتَّى طَلَبُوا نُزُولَ الْعَذَابِ الَّذِي يُحَذِّرُهُمْ مِنْهُ، وَهَدَّدُوهُ بِالرَّجْمِ إِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنْ دَعْوَتِهِمْ. وَمَعَ طُولِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، لَمْ يُؤْمِنْ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. وَقِلَّةُ الْمُسْتَجِيبِينَ لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا عَلَى نَقْصٍ فِي صِدْقِهِ أَوْ بَلَاغِهِ؛ فَقَدْ أَدَّى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَصَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ. [هُودٌ: 32، 40؛ الشُّعَرَاءُ: 116]
صُنْعُ الْفُلْكِ وَمَجِيءُ الطُّوفَانِ
ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَبْتَئِسَ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. وَفِي ضَوْءِ هَذَا الْوَحْيِ تُفْهَمُ دَعْوَتُهُ عَلَى الْكَافِرِينَ، بَعْدَ تِلْكَ السِّنِينَ مِنَ الْبَلَاغِ وَالصَّبْرِ. [هُودٌ: 36؛ نُوحٌ: 26–27]
وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِصُنْعِ الْفُلْكِ بِوَحْيِهِ وَتَحْتَ رِعَايَتِهِ، وَنَهَاهُ عَنْ مُخَاطَبَتِهِ فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. فَامْتَثَلَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ. وَمَضَى فِي الْعَمَلِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، يَعْلَمُ أَنَّ الْعَاقِبَةَ سَتَظْهَرُ، وَأَنَّ اسْتِهْزَاءَهُمْ لَا يُغَيِّرُ وَعْدَ اللَّهِ. [هُودٌ: 37–39]
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَفَارَ التَّنُّورُ، أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ فِي الْفُلْكِ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وَأَهْلَهُ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وَمَنْ آمَنَ. وَيَذْكُرُ الْقُرْآنُ أَنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ فُتِحَتْ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَأَنَّ الْأَرْضَ تَفَجَّرَتْ عُيُونًا، فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. [هُودٌ: 40؛ الْقَمَرُ: 11–13]
وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فَأَخَذَ بِالسَّبَبِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَاسْتَعَانَ بِرَبِّهِ وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ. وَسَارَتْ بِهِمُ الْفُلْكُ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ؛ فَمَا كَانَتْ نَجَاتُهُمْ بِقُوَّتِهِمْ، وَإِنَّمَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ. [هُودٌ: 41–42]
ابْنُهُ الَّذِي أَبَى الرُّكُوبَ
وَفِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ نَادَى نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَهُ، وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾. دَعَاهُ بِنِدَاءِ الْأَبِ الْمُشْفِقِ، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَبْقَى مَعَ الْكَافِرِينَ. لَكِنَّ الِابْنَ قَالَ إِنَّهُ سَيَلْجَأُ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُهُ مِنَ الْمَاءِ، فَأَجَابَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ لَا عَاصِمَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ. وَحَالَ الْمَوْجُ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ. [هُودٌ: 42–43]
وَنَادَى نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ، وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أَنَّ ابْنَهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ الَّذِينَ شَمِلَهُمْ وَعْدُ النَّجَاةِ، وَنَهَاهُ أَنْ يَسْأَلَهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ. وَلَمْ يَكُنْ هَذَا نَفْيًا لِنَسَبِ الِابْنِ، فَقَدْ سَمَّاهُ الْقُرْآنُ ابْنَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كُفْرُهُ مَانِعًا مِنْ دُخُولِهِ فِي وَعْدِ النَّجَاةِ. [هُودٌ: 45–46؛ تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ عِنْدَ الْآيَةِ 46]
فَتَلَقَّى نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَوْعِظَةَ رَبِّهِ بِالْخُضُوعِ، وَقَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عُبُودِيَّتِهِ؛ رَجَعَ إِلَى مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ، وَسَأَلَهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ عَاطِفَتَهُ عَلَى حُكْمِ رَبِّهِ. [هُودٌ: 47]
وَضَرَبَ اللَّهُ امْرَأَةَ نُوحٍ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمْ يَنْفَعْهَا قُرْبُهَا مِنْ نَبِيٍّ كَرِيمٍ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الْكُفْرِ. وَالْخِيَانَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ خِيَانَةٌ فِي الدِّينِ، لَا فَاحِشَةُ الزِّنَا، كَمَا بَيَّنَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ. [التَّحْرِيمُ: 10؛ تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الْآيَةِ]
النَّجَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْبَرَكَةُ
ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ أَنْ تَبْلَعَ مَاءَهَا، وَالسَّمَاءَ أَنْ تُمْسِكَ، فَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ، وَاسْتَوَتِ الْفُلْكُ عَلَى الْجُودِيِّ. [هُودٌ: 44]
وَأُمِرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَهْبِطَ بِسَلَامٍ مِنَ اللَّهِ وَبَرَكَاتٍ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَهُ. وَكَانَ قَدْ أُمِرَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى النَّجَاةِ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَأَنْ يَسْأَلَهُ مُنْزَلًا مُبَارَكًا. فَاقْتَرَنَ الْخُرُوجُ مِنَ الْمِحْنَةِ بِحَمْدِ الْمُنْعِمِ وَسُؤَالِهِ الْبَرَكَةَ؛ فَالْعَبْدُ يَحْتَاجُ إِلَى هِدَايَةِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ بَعْدَ الْفَرَجِ كَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا عِنْدَ الشِّدَّةِ. [هُودٌ: 48؛ الْمُؤْمِنُونَ: 28–29]
وَأَبْقَى اللَّهُ لَهُ ذِكْرًا حَسَنًا فِيمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، فَقَالَ: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. ثُمَّ خَتَمَ خَبَرَهُ فِي سُورَةِ هُودٍ بِأَمْرِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّبْرِ، وَبَيَانِ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. فَالْقِصَّةُ تُثَبِّتُ قَلْبَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ، وَتُذَكِّرُهُ أَنَّ عَلَيْهِ صِدْقَ الْبَلَاغِ، وَأَنَّ هِدَايَةَ الْقُلُوبِ بِيَدِ اللَّهِ. [الصَّافَّاتُ: 78–81؛ هُودٌ: 49]
وَمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَادَ إِلَى نَفْسِهِ يَسْأَلُهَا عَنْ تَوْحِيدِهَا، وَعَنْ قَبُولِهَا لِلْحَقِّ إِذَا خَالَفَ هَوَاهَا. فَلَا يَغْتَرَّ بِقُرْبِهِ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَا يَحْتَقِرْ مُؤْمِنًا لِقِلَّةِ مَالِهِ أَوْ مَنْزِلَتِهِ، وَلَا يَدْفَعْهُ تَأَخُّرُ الثَّمَرَةِ إِلَى تَرْكِ النُّصْحِ. وَيَظَلُّ مَعَ ذَلِكَ مُفْتَقِرًا إِلَى مَغْفِرَةِ رَبِّهِ، كَمَا دَعَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. [هُودٌ: 29–31، 47؛ نُوحٌ: 28]
أَسْئِلَةٌ شَائِعَةٌ
هَلْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ؟
لَيْسَ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَقَدْ سَبَقَهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالثَّابِتُ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّهُ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. [صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ: 3340]
هَلْ كَانَ عُمُرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً؟
الْقُرْآنُ يَذْكُرُ أَنَّهُ لَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا قَبْلَ الطُّوفَانِ. وَلَا تَدُلُّ هَذِهِ الْآيَةُ وَحْدَهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ عُمُرِهِ. [الْعَنْكَبُوتُ: 14]
لِمَاذَا لَمْ يَنْجُ ابْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟
لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ، وَأَبَى أَنْ يَرْكَبَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي وَعْدِ اللَّهِ بِإِنْجَاءِ أَهْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالنَّسَبُ وَحْدَهُ لَا يُنْجِي صَاحِبَهُ مَعَ الْكُفْرِ. [هُودٌ: 40–46]
أَيْنَ اسْتَقَرَّتْ سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّهَا اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ. وَهَذَا هُوَ الِاسْمُ الثَّابِتُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ الْعِبْرَةُ بِالْقِصَّةِ عَلَى دَعْوَى الْعُثُورِ عَلَى بَقَايَا السَّفِينَةِ. [هُودٌ: 44]
الْمَرَاجِعُ
الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: الْأَعْرَافُ 59؛ هُودٌ 25–49؛ الْإِسْرَاءُ 3؛ الْمُؤْمِنُونَ 23–30؛ الشُّعَرَاءُ 105–122؛ الْعَنْكَبُوتُ 14–15؛ الصَّافَّاتُ 75–82؛ الْقَمَرُ 9–15؛ التَّحْرِيمُ 10؛ سُورَةُ نُوحٍ.
صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ: كِتَابُ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ، رَقْمُ 3340؛ وَكِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ نُوحٍ، أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، رَقْمُ 4920.
السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، تَفْسِيرُ هُودٍ 46؛ ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، تَفْسِيرُ التَّحْرِيمِ 10.
